تاريخ اليوم: 29/7/2010

صور نادرة

|

قضايا الناس

|

جرائم بشعة

|

اموال وتجارة

|

أبناءنا في الغربة

|

قصص قصيرة

|

رسائل وتهانئ

|

جسر المحبة

|

اقلام حرة

|

أخبار خفيفة وملونة

|

تقارير اخبارية

|

صورة وتعليق

|

   

الصفحة الرئيسية


   

شبكة الحوار


   

مقالات سياسية


   

موسوعة الاغاني الثورية


   

نقل الاخبار بتكنولوجية RSS


   

تقارير ودراسات


   

متفرقات


   

اعرف بلدك - فلسطينيات


   

ذاكرة فلسطين


   

كواكب شهداء فلسطين


   

بيانات سياسية وعسكرية


   

شؤون العدو الصهيوني


   

ثقافة وأدب


   

شعر


   

التكنولوجيا العسكرية


  

الكاريكاتير


   

أرشيف صور الانتفاضة


   

قاموس اللغات


   

شخصيات تاريخية


   

حوارات حية


   

الفصائل الفلسطينية


   

مبعدو كنيسة المهد


   

ابحث في الموقع


   

أرشيف الاخبار


   

من نحن


   

خدمات مجانية


   

اخبر صديق عن هذا الموقع


   

اتصل بنا


   

English


البحث في الموقع

جاري التحميل

كاريكاتير عشوائي


كاريكاتير الراتب وابو فايك

كاريكاتير الراتب وابو فايك



كتاب ـ ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين / تأليف :ايزابيل بيزانو



الراصد نشرة شاملة ترصد الحدث الفلسطيني بأمانة وحيادية العام الخامس كتاب ـ ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين ـ الحلقة (1) رحلة في أعماق الأب الروحي للقضية الفلسطينية تأليف :ايزابيل بيزانو لا شك أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مثّل رمز المقاومة الفلسطينية ومصير وشعبه. وفي هذا الكتاب تقدمه مؤلفته في مجموعة من المواقف التي عرفتها مسيرة حياته. ذلك ابتداء من ولادته في أحد أحياء القدس القديمة وحتى وفاته في أحد المشافي الفرنسية بالقرب من العاصمة باريس. لقد عرف ياسر عرفات طفولته «حزينة» انتقل خلالها من القدس إلى القاهرة حيث توفيت أمه وهو لا يزال في سنواته الأولى فعاد مع أخيه فتحي للعيش في كنف خالهما بمدينة القدس، قبل العودة إلى القاهرة من جديد عام 1937. ورغم ذكرياته القليلة، بل شبه المعدومة تقريبا، عن والدته، تؤكّد مؤلفة هذا الكتاب أنه كان كلما يذكرها تغرورق عيناه بالدموع. كذلك تؤكد على الدور الكبير الذي لعبته أخته أنعام عرفات في رعايته وتربيته. وهي تروي عنه أنه كان يلعب، منذ أيام طفولته، دور القائد مع أطفال الحي، لكنه كان يحرص دائما على اقتسام كل ما يصل إلى يديه معهم. وما يفصح عنه في إحدى المقابلات مع المؤلفة هو أنه شارك في القتال إلى جانب عبد القادر الحسيني عندما كان عمره 12 سنة فقط. «لا يمكن الفصل بين التاريخ القريب لفلسطين، ومعركة شعب ومطلب الكرامة والاستقلال وبين الصورة-الرمز لياسر عرفات. إنه يجسد موقفا، ورفضا ومقاومة، وفوق هذا كله يجسّد مصير شعب». هذه هي بعض الجمل التي كتبها الباحث طارق رمضان في مقدمته لهذا الكتاب التي يعود تاريخها إلى شهر أكتوبر 2009. ويعود مخطوطه الأصلي إلى عام 2005، ولكن المؤلفة أعادت النظر فيه، على ضوء المستجدات لتكون هذه النسخة الجديدة الصادرة منذ أسابيع باللغة الفرنسية. ونقرأ في نفس المقدمة أن «صفحات هذا الكتاب تحكي عن مختلف مراحل حياة ياسر عرفات. ولادته، منفاه المستمر، التزامه، اللحظات الأخيرة. كان ياسر عرفات إنسانا وحيدا، حزينا فخورا ومصمما يتمتع بقدر كبير من الذكاء المتقد وبحس سياسي مرهف جداً. وفي نهاية هذا الكتاب يسود الإحساس أننا اقتربنا من إنسان ومن مصير. يمكن أن لا يتفق المرء مع التحليلات ووجهات النظر وبعض التفسيرات الشخصية للمؤلفة، لكن لا يمكن سوى مباركة هذه المحاولة الرامية إلى التعريف بياسر عرفات الإنسان والإقرار بعدالة معركته. هذا الكتاب هو بالنتيجة سيرة حياة شخصية وحرّة تقدم صورة أخرى لياسر عرفات. وهذا يعطي الكتاب أهميته وإذا كان ياسر عرفات، الرمز، قد رحل اليوم فإنه ترك القضية الفلسطينية حيّة وتتعاطف معها الضمائر المحبّة للعدل». محطات في حياته تبدأ ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب، بالحديث عن عدد من المحطات الأساسية في حياة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبدون التقيّد بأي تسلسل زمني. إنها تعود بالقارئ إلى يوم 4 أغسطس- آب من عام 1929 وإلى ذلك المنزل الحجري الكبير في حي الفخرية بالقدس القديمة. إنه منزل عبد الرؤوف القدوة، وزوجته السيدة زهوة ابو السعود، والد ياسر عرفات ووالدته. في ذلك اليوم وُلد محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني الذي اكتسب فيما بعد اسم «ياسر»، أي «الرجل الكريم»، كما اكتسب فيما بعد لقب «ابو عمار» تيمنا بـ «عمار بن ياسر»، رمز الوفاء المطلق لإيمانه ولقناعاته. كان المولود الجديد هو السادس بين أطفال الأسرة. وتصادفت سنة ولادته ؟ 1929- مع حملة قمع شديدة كانت تقوم بها الشرطة البريطانية في فلسطين وحيث كانت تلجأ إلى اعتقال العرب دون أي سبب. كانت القوى الكبرى تنظر بكثير من النهم إلى منطقة الشرق الأوسط حيث كانت بوادر اكتشاف البترول تلوح في الأفق القريب. كان عبد القادر عرفات القدوة يتنقّل آنذاك باستمرار بين القدس وغزّة والقاهرة حيث كان قد ورث في العاصمة المصرية ثروة كبيرة في حي العباسية بالموقع الذي تقوم فيه الآن جامعة عين شمس وحيث تتواجد عدة سفارات. وتشير مؤلفة هذا الكتاب إلى أن والد ياسر عرفات تعرّض للطرد من القاهرة على يد نظام الملك فاروق، وأنهى حياته في غزة. أما مصير الابن ياسر فقد كان الطرد من فلسطين كلها كي يعيش في المنافي حيث لاقى التعذيب والاعتقال عشرات المرات وتعرّض لحملات كثيرة من التشهير. هكذا لم يعرف حياة البشر العاديين إذ تخلّى عن كل حياة خاصة وعن تكوين أسرة وأن يكون زوجا وأب. كل حياته، كما تصفها مؤلفة هذا الكتاب، كانت رهينة البحث عن استعادة أرض فلسطين من قبل أبناء فلسطين. وتفتح المؤلفة قوسين لتشير إلى الظروف الصعبة التي عاشتها أسرة عبد القادر عرفات. وما تنقله المؤلفة عن الزعيم الفلسطيني نفسه هو أن والده غادر فلسطين إلى القاهرة وحده ثم استقدم بعد ذلك جميع أفراد الأسرة. وتنقل عن صديقه ورفيقه صلاح خلف «ابو اياد» قوله أنه إذا كان ياسر عرفات قد أصبح رمزا فهذا يعود إلى أنه كان يعكس كل تناقضات وكل مشاعر أهله الفلسطينيين. ودوره كقائد والطريقة التي جسّد فيها القضية أخذت شرعيتها من أصوله ولكن أيضا من حساسيته حيال الألم الفلسطيني، الذي كان بالوقت ذاته هو ألمه الشخصي. وتنقل المؤلفة عن ابو عمار قوله: «إنني لا أتذكّر سوى الشيء القليل عن أمي»، ويضيف: «لقد غادر أهلي القدس حيث أقمنا في حي السكاكيني بالقاهرة. ولقد عاش والديّ مأساة مزدوجة: المنفى ومرض أمي. كان عمري 4 سنوات عندما توفيت عام 1933 بمرض كلوي، وكانت فترة احتضارها طويلة ورهيبة. وعدم قدرتي على تذكّر وجهها سبب لي باستمرار ألما كبيرا (...). بعد وفاة والدتي، ومن أجل تخفيف الأعباء عن والدي ذهبنا، أخي فتحي وأنا، للعيش عند خالي سليم ابو السعود. ثم عدنا بعد سنوات إلى القاهرة حيث كان والدي قد تزوّج من امرأة أخرى». وتشير المؤلفة إلى أن ياسر عرفات قال هذا أثناء مقابلة أجرتها معه استمرت خمس ساعات ونصف في شهر مارس من عام 1991. وتؤكد أنه في كل مرة كان يُسأل فيها عن أمه كانت عيناه تغرورقان بالدموع. كما تتم الإشارة هنا إلى أن أخته الكبرى أنعام مثّلت شخصية أساسية أخرى في حياته. كان أبو عمار يطلق عليها تسمية «الجنرال» وهي تسمية رأت المؤلفة عندما تعرّفت عليها أنها تناسبها جيّدا بثيابها السوداء التي لم تفارقها معمّقة مظهرها الجدّي. الإحساس بالخطر الدائم وتقول المؤلفة إنها عندما سألتها ذات مرة عن طفولة أبو عمّار قالت بصيغة قاطعة: «إذا كنتِ تريدين معرفة شيء ما عن أخي، عليك أن تطلبي منه ذلك نفسه». وهذا ما تفسره المؤلفة بالقول إن الإحساس بالخطر الدائم على القريبين منا يجعلنا حذرين إلى درجة «العداء» أحيانا. لكن مع الثقة تغيّر الموقف وتنقل عن أنعام عرفات قولها لاحقا: «أراد أبو عمار أن يكون دائما هو القائد، وحتى عندما كان يلعب كان يعطي الأوامر. وكان يقتسم مع الجميع كل شيء حتى قطعة الحلوى ؟ الشوكولا- الصغيرة. لم يكن يفكّر أبدا بنفسه وبعد ظهر ذات يوم كنت قد اشتريت له ولفتحي ثيابا جديدة. لقد أظهر ياسر غضبا شديدا ورفض أن يلبس ما اشتريته له طالما أن جميع أطفال الحي الفقراء لا يمتلكون هم أيضا ثيابا جديدة. والأمر نفسه بالنسبة للأحذية». وتشير المؤلفة إلى أنها طلبت ذات يوم من ياسر عرفات إذا كان ذلك صحيحا، فأجاب: «ليس هناك ما هو غريب في الأمر، فالمسألة لم تتجاوز التضامن بين فقراء». وتعلّق المؤلفة على هذا بالقول ان ابا عمار لم يكن فقيرا، بل ميسورا. ولكن عندما كان يتحدث عن ذلك إنما يعني حق كل كائن بشري بوطن. كانت طفولة ياسر عرفات، كما تصفها المؤلفة، هي طفولة «جريحة»، فبعد وفاة والدته كانت زوجة والده الجديدة قاسية الطباع، ولم تكن تريد الاهتمام بأطفاله من زواجه الأول، كما روى أبو عمار للمؤلفة. هكذا انتقل ياسر في الرابعة من عمره وأخوه فتحي، في الثانية من العمر، للعيش عند خالهما سليم ابو السعود الذي أصبح بمثابة «مرشده الروحي». وهو الذي زرع لديه أفكار معاداة الاستعمار والقومية العربية. عاد ياسر عرفات من القدس إلى القاهرة عام 1937، وتنقل المؤلفة عن أخته أنه كان يمارس دور القائد العسكري مع أطفال الحي الذين كانوا يطيعونه. وكان «التدريب» يستمر إلى أن تأتي الأخت أنعام كي تقود «الضابط» عنوة إلى داخل المنزل كي ينال عقابه، خاصة أنه كان يأخذ باستمرار «طناجر» المنزل كي يستخدمها «جنوده» مثل «خوذات» عسكرية. الكوفية..الرمز الفلسطيني وتقول المؤلفة انه كان منذ تلك الفترة قد أدرك بحزن عميق أن عليه أن يخوض حروبه دون امتلاك السلاح. لكن الحجارة أخذت مكان الرصاص و«الكوفية» الفلسطينية غدت الرمز الذي يعرّف بالفلسطينيين في كل مناطق العالم. إنه العلامة الفارقة التي لبسها أبو عمار في كل مناسبة وحيثما حلّ، في قصور الملوك أو في مخيمات اللاجئين، وفي الأمم المتحدة أوفي الصين. انتسب ياسر عرفات وأخوه فتحي إلى «معهد فاروق»، باسم ملك مصر آنذاك. وتنقل المؤلفة عن حارسة البناية العجوز التي كان يسكن فيها مع أسرته قوله: «كان ياسر طفلا لا يتوقف عن الحركة وفي غاية النشاط. ومن أجل الخروج بسرعة أكبر من المنزل كان يقفز من النافذة إلى الحديقة. وكان يحب كثيرا الصعود حتى قمة شجرة المانجا لقطف ثمارها. لقد كان يمضي وقتا طويلا في ذروتها». وتشير المؤلفة أنه لو كان أوروبيا فربما كان من متسلقي جبال الألب، إذ كان أحد النادرين الذين يستطيعون تسلّق الجدران الملساء. وتضيف السيدة العجوز: «كان يتهرب أحيانا من المدرسة كي يتسكّع في الأحياء القديمة، مما كان يدعو أنعام لإنزال العقوبة بحقه». وبعد طلاق والده من زوجته الثانية وزواجه بثالثة أحس ياسر أنه تلقى ضربة خنجر جديدة. وهذا ما عبّر عنه صديقه صلاح خلف بالقول: «كانت زيجات والده تجربة قاسية ومؤلمة بالنسبة إليه، وعنصرا لخلل توازنه العاطفي». ومع أن والده كان قاسيا إلى حد ما مع أطفاله، فإن أبو عمار تذكّره بالقول: «لقد تعلّمت الكثير منه. كان إنسانا طيّبا وورعا جدا، وكان يعتقد أن مهمته على هذه الأرض هي أن يجعل منّا، من أطفاله، أناسا مخلصين ومستقيمين، ولم يكن يريد أن نخفي عنه أي شيء. وكان يريد أن ندرس الطب، الأمر الذي رفضه أخي فتحي منذ البداية». وتشير المؤلفة إلى أن ابو عمار، في مقابلتها الثالثة معه في تونس عام 1991، بعد عدة أشهر من نهاية حرب الخليج الأولى، قال لها انه شارك عندما كان عمره 12 سنة، في القتال إلى جانب عبد القادر الحسيني. نقرأ: «كان عبد القادر الحسيني هو الرجل الذي يقود نضالنا من أجل الاستقلال. وقد أعطاني فرصة أن أصبح أصغر ضابط عنده. وقد اغتيل بطلنا بعد عدة سنوات بالقرب من القدس بتاريخ 8 أبريل 1948. كان هدفي أثناء طيلة تلك الحرب هو إيجاد السلاح للدفاع ضد طردنا. إن نفي شعبي لا سابق له في التاريخ إذ جرى عقب مذابح متكررة ارتكبتها مجموعة ارغون السرية التي كان يقودها مناحيم بيجن». المؤلفة في سطور ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب،من مواليد أوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي عملت مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان وتشاد والعراق والبوسنة والصومال. وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم. كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل ال«راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين ولصحف في مقدمتها «لوموندو» الصادرة في مدريد. نالت ايزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحفية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات. الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009 عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف كتاب ـ ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين ـ الحلقة (2) عرفات يتمتع بحاسة سادسة حيال الخطر تأليف :ايزابيل بيزانو من أسوأ اللحظات التي عرفها ياسر عرفات في حياته كانت تلك هي التي اغتيل فيها رفيقا دربه، خليل الوزير «أبو جهاد». وصلاح خلف «أبو إياد». أما أبو عمار نفسه فقد كان يتمتع بنوع من «الحاسة السادسة» التي دفعته لمغادرة بعض الأمكنة قبل دقائق قليلة من تفجيرها بلحظات أو لتجنّب بعض «الكمائن» دون سبب ظاهر لتغيير مسار طريقه. وتروي المؤلفة تفاصيل اغتيال أبو إياد على يد حمزة أبو زيد الذي نصح أبو عمار بضرورة إبعاده عن منظمة التحرير وعن أعضائها، لكن لم يتم تنفيذ توصيته وكانت فاجعة الاغتيال. وكان أبو عمار شديد الحرص على ممارسة أقصى درجات الحذر وتنفيذ أدق الإجراءات الأمنية عند إجراء أي مقابلة معه، لكنه كان يتمتع بالوقت نفسه بقدر كبير من اللطف إلى جانب تأكيد المواقف التي يؤمن فيها دون أي تنازلات. ولكن اسم «عرفات» لم يكن مرغوباً فيه لدى «الصحافة الغربية». بل كان يواجه نوعاً من «مؤامرة الصمت» المضروب عليه من قبل أصدقاء إسرائيل. تقول مؤلفة الكتاب إنه عندما قبل ياسر عرفات أن يمنحها مقابلة يوم 15 يناير- كانون الثاني من عام 1991، كان يجتاز «أسوأ لحظة في حياته». ففي اليوم السابق 14 من الشهر اغتيل صلاح خلف، أبو إياد، في قرطاج بتونس. وكانت أيضاً طبول الحرب تدق في منطقة الخليج قبل بداية المعارك بأيام قليلة. «كان الزعيم في حالة حداد، وكانت الحرب تهدد المنطقة». كان اثنان إذن من القادة التاريخيين قد تعرّضوا للاغتيال على يد الإسرائيليين، أي خليل الوزير، «أبو جهاد» يوم 16 أبريل- نيسان 1988 في سيدي بو سعيد بتونس، وصلاح خلف «أبو إياد» في قرطاج. أما ياسر عرفات فقد كان يتمتع ب«حاسة سادسة» ما فوق الطبيعية تقريباً حيال الخطر. «الكمائن» رأي العين... وتشرح المؤلفة أن إلقاء نظرة على مسار حياته يدفع إلى الاعتقاد أن صوتاً كان يدفعه لمغادرة بعض الأمكنة في لحظات محددة جداً، وبحيث يبدو أنه كان قد «رأى» تلك الكمائن التي كانوا ينصبونها له. وتروي المؤلفة أنه عندما وصل حمزة أبو زيد، الذي كان أحد المقرّبين من أبو نضال، إلى تونس طلب أبو عمار من أبو الهول، رئيس أمن المنظمة آنذاك وما يعادل وزير الداخلية، أن لا يقوم بتوظيفه بين القائمين على الحراسة. بل وطالبه أن يبقيه على أبعد ما يمكن عن منظمة التحرير الفلسطينية وعن أعضائها. كان أبوعمار شديد الحذر حتى من أولئك الذين كانوا يتوبون عن خطئهم مثل حمزة ويعودون إلى الإطار السليم. اعتقد أبو الهول أن «الختيار». كما كانوا يطلقون على أبوعمار، مغرق في الظنون، واستقبل رغم تجربته في الألم والمعاناة والسرية، «الابن الضال» بالترحيب. كانت الساعة الحادية عشرة مساء يوم 14 يناير 1991 وكان ثلاثة رجال يستعدون لتناول طعام العشاء. كانت مدة الإنذار الأخير الذي وجهه الحلفاء قبل حرب الخليج تنتهي في اليوم التالي. لقد تحدث أولئك الثلاثة حتى ساعة متأخرة من الليل عن اقتراب الحرب. أولئك الثلاثة هم صلاح خلف وأبو الهول وفخري العمري. لم يكونوا يدركون أنهم يتناولون آخر وجبة طعام لهم. وقائع اغتيال ذهبت ناديا، زوجة أبو الهول، وابنتها للنوم في الطابق العلوي، وذات لحظة دخل حمزة أبو زيد وبيده رشاش كلاشينكوف فدعاه أبو الهول لتناول الطعام معهم. وكانت إجابته هي أنه صوّب رشاشة على هدفه صلاح خلف، أبو اياد، وأفرغ أربعة رصاصات قاتلة في صدره وخامسة في الرأس. ثم أطلق حمزة أبو زيد النار على فخري العمري فأرداه، قتيلاً. ونهض أبو الهول كي يوقف الرجل الذي استقبله في منزله كأحد أفراد أسرته، لكنه لم يجد الوقت لطرح أي سؤال فالقاتل واجهه برصاصات استقرّت في صدره. كان أبو الهول لا يزال يتنفس عندما قادته عربة الإسعاف إلى المستشفى. حاول القاتل أن يأخذ زوجة أبو الهول وابنه رهينتين لتأمين خروجه سالماً من الحصار الذي ضربه رجال الشرطة التونسية بعد سماع طلقات النيران. كانت الفكرة الوحيدة التي تتردد على رأس ناديا آنذاك هي كلمات الرئيس عرفات التي لم تستمع هي وزوجها لها وأدخلا «الأفعى» إلى قلب منزلهما. وبعد ست ساعات من المساومات مع الشرطة اقتحمت الوحدات الخاصة المنزل وحررت «الرهينتين» واعتقلت القاتل. كان ذلك في تونس، ذات يوم من شهر فبراير- شباط 1991، عندما أخبروا المؤلفة أن أبو عمار سوف يستقبلها مع فريق عملها الفني في المساء، وحتى منتصف الليل لم يأت أحد لاصطحابهم. لكن عند منتصف الساعة الأولى من اليوم التالي وصلت سيارة لاقتيادهم إلى حيث نفسه يوجد الزعيم الفلسطيني. كانت الحراسة شديدة والتفتيش دقيقا إلى درجة أنه طال مسحوق التجميل الذي تستخدمه وكل محتويات حقيبة يدها. وبالطبع جرى تفتيش دقيق لأجهزة فريقها. ثم جرى اصطحاب الجميع بعدئذ إلى مكتب أبو عمار. لفت انتباه المؤلفة، كما تقول، لوحة جدارية للقدس تغطي الجدار كاملاً ويبدو فيها بوضوح المسجد الأقصى والحرم الشريف. بعد ضبط الإضاءة وآلات التصوير التلفزيوني دخل أبوعمّار عندما كان كل شيء قد أصبح جاهزاً ووراءه حرسه الشخصي. لقد حياها متذكراً لقاءاتهما السابقة في بغداد أثناء مؤتمرات صحفية عقدها في العاصمة العراقية. وتحكي المؤلفة كيف أمسك بيدها وهي تشكره باسم القناة التلفزيونية الإيطالية الخامسة وباسمها الشخصي للمقابلة الحصرية التي منحها لها في الوقت الذي كانت تلفزيونات العالم كله تنتظر في الخارج. ولا تخفي أنها اعتبرت نفسها آنذاك صحفية كبيرة من وزن «دان رازر» مؤكدة أنها «لم تكن بعيدة عن تلك المرتبة». سيرة حياة لقد لاحظ أبوعمار مباشرة أنها تحمل بين أوراقها كتاباً عن سيرة حياته لمؤلفه «ريمي شافريه» فقال لها: -هل هذه النسخة لي -آسفة، إنها زاخرة بالخربشات. هكذا بدأت المقابلة بجو ودّي، رغم الساعات المأساوية التي كان العالم يعيشها آنذاك. لقد تحدث أبوعمار كسياسي بارع، مشيراً بطرق مختلفة إلى أنه إذا كانت 40 دولة تشنّ هجوماً على العراق بسبب اجتياحه للكويت فكيف يمكنها أن تبقى فيما بعد لا مبالية حيال سياسة إسرائيل؟ وحيال الخروقات المتكررة لجميع إجراءات مجلس الأمن؟ كان يعرف أن العراق سينهزم، لكنه حاول حتى اللحظة الأخيرة إقناع صدام حسين بالانسحاب، لكن دون نتيجة. وتروي المؤلفة أن مدير البرامج الإخبارية في القناة التلفزيونية التي كانت تعمل معها، كان قد زوّدها ببعض الأسئلة المحرجة، ومن «نوع الأسئلة التي ربما ما كان له هو نفسه أن يتجرأ على طرحها على عرفات أو على غيره». وعند السؤال الثالث منها، نظر إليها أبوعمار بقسوة وقال لها بشيء من الازدراء: - «لقد أمضيت معك من الوقت أكثر مما تستحقين. انتهت المقابلة». انقلب الجو فجأة وأصبح متوترا. كان لا يزال هناك 37 سؤالاً من الأربعين التي كانت المؤلفة قد أعدّتها وتبادلت نظرة «يائسة» مع فريق عملها المرافق. وعندما همّ أبوعمّار بالخروج وأصبح بالقرب من الباب صاحت المؤلفة باللغة الاسبانية ما معناه «أحبك» وطلبت من المترجم أن ينقل ما قالته له. اكتسب وجه أبو عمار مسحة من اللطف وقال لها: - «إذا كنت تحبينني، فلماذا لا تتزوجيني؟». لقد «ابتعد الخطر» إذن كما جال في خاطرها. وأضافت: «أعتبر كأن الأمر قد حدث، سيادة الرئيس، لكن قبل ذلك لماذا لا نكمل المقابلة»؟ ثوب هدية استمر اللقاء بعد ذلك ما يقارب الساعتين أمام دهشة الفلسطينيين ودهشة جميع الحضور. وتشير المؤلفة أنها تلقت في نهاية المقابلة كهدية ثوباً مزركشاً من قبل نساء في الأراضي المحتلّة. وحرص الرئيس عرفات على أن يقوم هو نفسه بجعلها تقيس السترة، الأمر الذي «خلّدته» عدسات التلفزة المرافقة. وقد بدا أبو عمار ك«لورد إنجليزي وهو يساعدني على ارتداء السترة». وتشير المؤلفة هنا إلى أنها في المطار نزعت القلادة التي كانت تحملها منذ فترة مراهقتها وعليها صورة مريم العذراء وأعطتها لمنجد صالح الذي كان يرافقهم كي يوصلها للقائد الفلسطيني. ذلك كي تكون، ربما، إلى جانب «صليب اللورين» ؟ رمز المقاومة الفرنسية بمواجهة الصليب المعقوف، رمز النازية- الذي يضعه أبو عمار على صدره وأطلعها عليه في نهاية المقابلة قائلاً لها: «هذا هدية من الجنرال ديغول». رفاقها أثناء المقابلة بعثوا للرئيس عرفات ب«ساعاتهم المتواضعة». تشويه اللقاء الإعلامي ولا تتردد المؤلفة في القول أنها عندما رأت نتيجة عملها كما عرضتها القناة التي تعمل معها، وما جرى حولها من نقاش دون دعوتها، كان غضبها شديداً لما عرفته من رقابة عبر «المونتاج». فقررت يومها أنه حان الوقت الذي ينبغي عليها فيه أن تغادر القناة وأن تصبح منذئذٍ مسؤولة بشكل كامل عن المقابلات التي تجريها. إن المؤلفة تعود هنا إلى ذكريات بغداد التي كانت فيها خلال شهر أغسطس من عام 1990، أي في الأيام التي تلت اجتياح الكويت. وهناك حضرت المؤتمر الصحفي الذي عقده القائد الفلسطيني ياسر عرفات في بيت أحد رجال الأعمال العراقيين. لقد بدأ حديثه بالقول: «اجتياح الكويت هي مشكلة عربية وينبغي أن يحلّها العرب». وتروي المؤلفة أنه عندما وقع نظره عليها لم يرفعه عنها طيلة الوقت بحيث بدا وكأنه يتحدث لها وحدها بينما اكتسى وجهه بمسحة من الحزن العميق. ما عرفته فيما بعد هو أن السبب كان ذلك الشبه الكبير بينها وبين «ندى يشرطي». الفتاة الفلسطينية التي أحبها والتي اغتالتها عناصر الموساد أمام منزلها في أحد شوارع العاصمة اللبنانية بيروت. في اليوم التالي عقد أبوعمار مؤتمراً صحافياً آخر في نفس المكان، ولكن في حديقة المنزل. لقد كرر ما قاله في اليوم السابق. وفي ضوء النهار لاحظت المؤلفة، كما تقول، ذلك العمق في نظراته. وتزاحمت في رأسها الأسئلة: من أين برز هذا الرجل؟ وكيف وصل إلى ما هو عليه؟ إنها كانت تعرف أنه الزعيم الفلسطيني الأول، لكنها لم تكن تعرف عنه الكثير. كانت تعرف جيداً بالمقابل أن اسم «عرفات» ليس مرغوباً في الصحافة الغربية. إنه يواجه «مؤامرة الصمت». من هنا كان قرارها بكسر ذلك الصمت وبدأت سلسلة اللقاءات منذ مطلع عام 1991. المؤلفة في سطور ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب،من مواليد الأوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي عملت مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان والتشاد والعراق والبوسنة والصومال. وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم. كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل ال«راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين ولصحف في مقدمتها «لوموندو» الصادرة في مدريد. نالت ايزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحفية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات. الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009 عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف كتاب ـ ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين ـ الحلقة (3) مشروع زواج لم يتم بين عرفات والمؤلفة تأليف :ايزابيل بيزانو الجميع يعرفون ياسر عرفات الرئيس والرمز الفلسطيني الذي أمضى حياته لا يفكر سوى بمصير شعبه وبفلسطين. لكن أبو عمار كان إنسانا أيضا، وهذا ما تحاول مؤلفة الكتاب أن تقدمه من خلال العودة إلى تلك اللحظات التي جمعتها معه. والتي هبّت لمعانقته، عفويا، عندما وعدها أنه سيساعدها على الفوز بمقابلة مع الرئيس العراقي صدام حسين عندما كانت تدور حرب الخليج الأولى عام 1991. قال لها عرفات مازحا للمرّة الثانية آنذاك: «هل تتزوجينني». وكانت تلك الدعابة بداية انطلاق مشاعر إنسانية ظلّت باستمرار محاطة بالتقدير والاحترام طيلة لقاءاتهما الكثيرة في مختلف الأماكن والأوقات ومرافقتها لها في طائرته أثناء زياراته لعدد من البلدان. ولم ينس أبو عمار يوم عيد ميلاد مؤلفة هذا الكتاب حيث تلقت في ذلك اليوم اتصالا في إيطاليا من مستشاره السياسي الذي قدّم لها الهدية المتواضعة وعليها جملة قصيرة تقول: «مع أفضل تمنياتي».كان ذاك تعبيرا عن بعض اللحظات الإنسانية، ربما النادرة، في حياة الزعيم الفلسطيني الراحل. عندما وصلت مؤلفة هذا الكتاب إلى مطار تونس ذات يوم من شهر ابريل 1991، أخبرها مترجم الرئيس عرفات، أنه سافر فجأة إلى المغرب ولا بد من انتظاره إلى حين عودته. هكذا بعد أسبوع من الراحة والسير طويلا على شاطئ البحر، كانت العودة إلى تونس مع عودة الرئيس عرفات من المغرب. وما تتذكره المؤلفة عن لقائها معه بصحبة صديقتها الإيطالية «فيليا»، هو أنها طلبت منه أن يساعدها على الظفر بمقابلة مع الرئيس العراقي صدام حسين. وتشير أنه رمقها بنظرة مليئة بالمعاني ووعدها أنه سوف يساعدها. وبشكل عفوي عانقته عندها أمام الجميع حيث أظهرت الصورة التي أخذتها صديقتها «فيليا» أنه قبّلها أيضا. وتشير إيزابيل بيزانو أنه رمقها في تلك اللحظات بنظرات متفحّصة وذات معنى وقرأت من جانبها ما كان يدور في تفكيره. وتؤكد قولها: «أحسست بالسعادة وأنني محط الإعجاب». عرض بالزواج... وعندما همّت المؤلفة- الصحافية بالخروج قال لها أبو عمار: «هل تتزوجينني»؟ ـ فأجابته مع ابتسامة: «انتبه سيادة الرئيس، هذا هو الطلب الثاني للزواج منك خلال فترة قصيرة من الزمن. إنك تخاطر بأن أجيبك بالقبول». ـ فرمقها بنظرة فيها الكثير من الحنين، وقال: «وماذا ستفعلين إذا تزوجت من عجوز مثلي وبدون وطن والذي، باستثنائك، لم يحب أية امرأة أخرى غير فلسطين»؟ ـ كانت إجابتها تلك المرة هي حركة مألوفة في إيطاليا فضحكا معا. وتشير المؤلفة أن لقب «الختيار» الذي أطلقه رجاله عليه في نضالهم السري ومن أجل إخفاء هويته الحقيقية. لكنه لم يكن عجوزا «ختيارا» أبدا. بل نقرأ: «كان أمامي شابا تختلج في أعماقه رغبة للعيش وربما للحب». بعد نهاية اللقاء اتجهت المؤلفة وصديقتها الإيطالية برفقة الملحق الصحفي للرئيس عرفات لتناول طعام العشاء في أحد المطاعم. «كانت كلمات ياسر ترقص في رأسي عندما قال: ماذا ستفعلين إذا تزوجت من عجوز مثلي»؟ لقد صعقتها تلك الجملة في الصميم، إذ لم تتلق من أي شخص مثل تلك الحركة التي تنمّ عن تواضع كامل. وتضيف: «بدأت أحس حيال هذا الرجل بقامته القصيرة، إنما الذي يتكشّف أنه عملاق عندما يتحدث، بكثير من الحنان». وسألها الملحق الصحافي: «هل ستتزوجين الرئيس»؟ فأجابت مبتسمة كي تخفي التوتر الذي أثاره ذلك السؤال في أعماقها: «هل يمكنني أن أبيع الإعلان عن النبأ». «من الأفضل عدم فعل ذلك، بل ينبغي عليك الالتزام بالصمت الكامل، وبالسرية التامة». لا سرية من صحافي لكن السرية هي الأمر الوحيد الذي لا يمكن طلبه من صحافية. وكانت حاستها السادسة، كما تقول، قد كشفت لها أن شيئا ما متفرّدا، يجري. وكان الاهتمام الذي أبداه الزعيم حيالها لا يُقاوم بالنسبة إليها. هكذا طارت بأحلامها على «البساط السحري» الذي كانت قد رأته في السينما أثناء طفولتها. لقد جالت برأسها أفكار كثيرة وأنها جاءت من مجتمع يرفض فيه الرجال الزواج وحتى لو عاشوا مع امرأة سنوات طويلة. متساءلة لماذا يطرح عليها الملحق الصحفي للرئيس عرفات عما إذا كانت سوف تتزوجه. ثم لم طرح عليها الرئيس نفسه السؤال؟ هذه الأفكار الكثيرة غيرها مرّت في ذهنها خلال لحظات قبل أن تجيب على السؤال: «إنني أمضيت سنوات من التعب ومن العرق كي أجد مكانا لي في عالم الصحافة والأدب ولا أستطيع أن ألقي هذا كله في الماء، ثم لا أعتقد أنني على المستوى المطلوب، بل أنا متأكدة أنني لست على هذا المستوى». فقال الملحق الصحفي: «إن الرئيس يمتلك عقلية غربية، وسوف يسمح لك بمتابعة العمل في مهنتك». «لكنني على سفر دائم وهو كذلك، فماذا سيعني مثل هذا الزواج»؟ «يمكنك المجئ إلى هنا مرة كل شهر (...) وسوف أبحث لك عن منزل». فريسة مشاعر غريبة هكذا وجدت المؤلفة نفسها، كما تقول، فريسة لمشاعر غريبة. والأفكار السوداء التي كانت تراودها عادة أخلت المكان لأحاسيس من الفرح ولمشاعر رائعة أن هناك كائنا في العالم كان بحاجة إليها. تلك المشاعر الوليدة حملتها إلى عالم جديد. وفجأة قال لها الملحق الصحفي: «سوف تأتين معي، سأصطحبك إلى الرئيس الذي يريد تحيتك، إنه ينتظرنا». تلك الجملة أثارت لدى المعنية، زخما من الشكوك، ذلك أنها، كما تقول، أخطأت تفسير الرسالة وفهمتها حسب المنطق الغربي القائل أن دعوة رجل لامرأة في عز الليل لا تعني سوى شيء واحد. وفجأة تغيّر لديها كل ما جال بخاطرها عن فكرة الزواج الرومانسي مع الزعيم وعن حب عميق وأبدي. تقول: «لقد أخطأت تماما التفسير. والمستقبل أثبت لي ذلك. إذ أنني قمت بعد ذلك بزيارة ابو عمار في أماكن إقامته في مختلف ساعات النهار والليل وسافرت معه في طائرته وقد كان باستمرار شديد اللطف والاحترام (...). هكذا كانت مخاوفي إذن خالية من أي معنى». لكن في تلك اللحظة من الشكوك، خلقت مختلف الأعذار للعودة إلى الفندق. وفي الفندق رنّ الهاتف ليقول المتحدث: «الرئيس عرفات يرجوك قبول دعوته للعشاء ويسعده الترحيب بك في منزله. إن سيارة ستأتي لاصطحابك بعد ساعة. وكان ذلك حيث كان في الصالون وكانت هناك سهى الطويل، التي أصبحت زوجته فيما بعد، وسهير أخت رائدة طه اللتين كان ابو عمار قد تبنّاهما بعد شهادة والدهما. كان ذلك يوم أحد، وتؤكد المؤلفة أن نظرات ابو عمار لم تفارقها وطرح عليها أسئلة عن عملها وعن حياتها وعن زوجها المتوفي إلى درجة أحسّت أنه يعرف عنها كل شيء. نقرأ: «في المساء السابق كان قد أخذ يدي بيده، وضغط عليها مما أثار تيارا من المشاعر. وقد داعب أصابعي في حوار صامت. لقد قال بلغة الأصابع ما لم يتجرأ على قوله بشفاهه. هذه المرة عندما بحثت يده عن يدي تحت الطاولة أجابت يدي بجسارة». دعوة على العشاء وفي نهاية العشاء قالت له المؤلفة: «هذا اليوم لا يُنسى بالنسبة لنا هي وصديقتها فيليا التي رافقتها سيادة الرئيس وأحب أن أردّ لك الدعوة. فإذا أتيت إلى روما سيشرّفني أن أدعوك للعشاء على شرفة منزلي عند شاطئ النهر». ثبّت ابو عمار نظره عليها مما دفعها للإحساس بالخجل، وقال لها: «ومتى هذه الدعوة»؟ فرأت في عينيه ،كما تقول، أنه يفكّر جديا بالمجئ للعشاء معها، فأضافت جملة استهدفت منها محاولة التهرّب من الدعوة وقالت: «سيكون ذلك يوم عيد ميلادي حيث أقدّم لنفسي الحلوى بهذه المناسبة». لم يكن ذلك صحيحا، كما تشير، إذ لم تفعل أبدا أي شيء خاص في هذه المناسبة. «ومتى هو عيد ميلادك»؟ «يوم 9 يوليو». «سألبي الدعوة». «من فضلك، السيد الرئيس، لا تنس الهدية»، قالت مازحة بينما كانت هي في الواقع بغاية الاضطراب. في تلك اللحظة كانا، كما تقول المؤلفة، شخصين يحلمان أنهما حرّا التصرف وأحسّا بولادة المشاعر بينهما وأنهما يضربان موعدا من أجل مستقبل سيكون مستحيلا بالنسبة لهما بالتأكيد. نقرأ: «بالنسبة لي كنت قد حذفت من حياتي جميع الأعياد التي لها علاقة بالأسرة مثل نويل والفصح وبالطبع مناسبات الميلاد». كان ذلك هو القرار الذي اتخذته يوم انتحار زوجها ? كما تقول الرواية الرسمية (كان زوجها هو فالدو دو لوس ديوس، موسيقي ارجنتيني، وجدوه وهو يحتضر ليلة 29 مارس 1977 بعد أن أصابته رصاصة في الرأس). خطيبة الرئيس ويوم 9 يوليو 1991، رن الهاتف في منزل المؤلفة، وقال المتحدث: «أنا مصطفى، المستشار السياسي للرئيس عرفات. وقد جئت إلى روما ومعي هدية. الرئيس يتمنى لك عيد ميلاد سعيد».ثم أردف: « أريد دعوتك إلى العشاء هذا المساء مع صديقتك فيليا، فزوجتي سوف تحضر لكما العشاء في مقر إقامتي بروما، وقد جلبت هدية لها أيضا». كان مكتوبا على الهدية: «مع أفضل تمنياتي»، باللغة الانكليزية. وكانت هدية متواضعة لكنها قدّمت البرهان أن أبو عمار لم ينسها. وعندما أشارت إلى أنه ربما ذكّره أحدهم بعيد ميلادها، قال مصطفى: «كلاّ، لقد كرر أبو عمار مرارا القول أن 9 يوليو هو يوم عيد ميلاد ايزابيل وأنا لن أستطيع فمن منكم يريد الذهاب إلى روما؟ وكان من المنطقي أن يتم اختياري فأسرتي تقيم هنا». مرّت أيام بعد ذلك وكانت المؤلفة تحلم دائما بمقابلة الرئيس صدام حسين بعون أبو عمار. وذات يوم قال المتحدث على الهاتف: «الرئيس يريد منك الالتحاق بنا فورا، سوف نذهب إلى بغداد- غدا عند الظهر».وعندما وصلت إلى المطار كان مصطفى بانتظارها وقد قدّمها لأصدقائه بالقول «خطيبة الرئيس». اضاءة يوم 9 يوليو 1991، رن الهاتف في منزل المؤلفة، وقال المتحدث: «أنا مصطفى، المستشار السياسي للرئيس عرفات. وقد جئت إلى روما ومعي هدية. الرئيس يتمنى لك عيد ميلاد سعيد».ثم أردف: «أريد دعوتك إلى العشاء هذا المساء مع صديقتك فيليا، فزوجتي سوف تحضر لكما العشاء في مقر إقامتي بروما، وقد جلبت هدية لها أيضا».كان مكتوبا على الهدية: «مع أفضل تمنياتي»، باللغة الانكليزية. وكانت هدية متواضعة لكنها قدّمت البرهان أن أبو عمار لم ينسها. الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009 عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف كتاب - ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين - الحلقة: (4) نظرة أبو عمار تعكس كل آلام شعبه من ميزات أبو عمّار الأساسية كانت هناك قدرته على التواصل مع الآخرين وجذبهم نحو دعم قضية حياته، قضية الشعب الفلسطيني. فضلا عما تميز به من انتباهه باستمرار إلى أدق التفاصيل التي تجري حوله. وقد كان من أقرب الشخصيات إليه رفيق نضاله و«الروح التوأم» خليل الوزير، أبو جهاد. هذا إلى جانب احترامه الكبير لزوجته السيدة انتصار الوزير التي قام ذات مرة بمخاطرة كبرى كي ينقلها هي ووليدها من بيروت بعد منتصف الليل حيث كانت هناك خطة لاعتقالها مع مجموعة كبيرة من قيادات «العاصفة». ومن اللحظات المهمة من سيرة حياة ياسر عرفات تلك التي أعقبت هزيمة يونيو 1967، حيث أعلن للعالم كله منذ الشهر التالي يوليو أن الفلسطينيين سيتابعون حربهم ضد إسرائيل، وهكذا دخل إسرائيل متخفياً مرات ومرات. وفي شهر مارس ـ من عام 1968 كانت أول مجابهة حقيقية مع الجيش الإسرائيلي في بلدة الكرامة. يومها رفض ياسر عرفات كل عروض التراجع والفرار واتخذ القرار الصعب بالصمود. وكانت معركة الكرامة أول درس للمقاومين الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل. كانت مؤلفة هذا الكتاب في عداد الوفد الذي رافق الرئيس ياسر عرفات إلى الجزائر. وقد كان يولي أهمية كبيرة لوسائل الإعلام. وتنقل عنه المؤلفة أنه قال لها ذات يوم في تونس: «أنا أيضاً كنت صحافيا».لقد كان في الواقع رئيس تحرير ومدير صحيفته التي حملت عنوان «فلسطيننا». وكان هو نفسه يقوم بتوزيعها. وكرئيس لاتحاد الطلبة الفلسطينيين عرف كيف يجذب إليه في جميع المؤتمرات والندوات انتباه الصحافة والإذاعة. وقد قام فيما بعد باستئجار فترة بث إذاعي من لندن بحيث يصل صوته إلى الأراضي المحتلّة. وقد كان لذلك أثرا كبيرا. منحته الجامعة العربية غرفة كي يعمل فيها بالبناية رقم 17 في شارع جواد حسني بقلب القاهرة. ومن أجل استقبال «الضيوف الأجانب» أبرم اتفاقا مع حارس العمارة لقاء مبلغ من النقود، بحيث يتصل به «من الخارج». أي من مدخل العمارة. كذلك عمل بطريقة تشير إلى أن الأثاث من مكاتب «الحكومة الفلسطينية» فيما هو من الشقة المجاورة. هكذا كان يبهر أولئك الذين يدخلون ويجدون أنفسهم محاطين بأثاث فاخر وباتصالات هاتفية «من جميع أنحاء العالم». لم يكن أبو عمار بارعا في التواصل مع الآخرين فحسب، لكن المؤلفة تؤكد على أنه كان يتمتع بقدرة عالية على جذب الذين كان يتحدث إليهم. وذلك بواسطة ما كان يتمتع به من شخصية محببة ومن حياة داخلية غنية ومن كنوز الحساسية. «لقد كان مليونيرا من حيث ما يمتلكه من هذه الصفات كلها». وتروي المؤلفة أنها التقت في الجزائر للمرة الأولى بسهى الطويل والتي لعبت دورا مهما في حياة عرفات في مرحلة متأخرة في بهو الفندق الذي كان يتواجد فيه بعض أعضاء الوفد الفلسطيني. وتواجدت بنفس الوقت السيدة «إنعام عرفات» لكنها تصرّفت مع المؤلفة باستعلاء رغم أن أبو عمار كان قدمها لها قبل أيام. وعندما قالت له: «ليس هناك في العالم ما هو أصعب من الحصول على ود أفراد أسرتك». علّق قائلا: « ـ لقد عشت في القدس حتى عام 1937 بدونهم. كان أبي قد أقام في مصر وتزوج مرة ثانية. وأفضل عدم التحدث عن زوجة أبي. ومع بداية الحرب العالمية الثانية ذهبت للعيش مع أنعام. لقد تمرّدت دائما ضد تسلطها، إذ لم تكن تتوقف عن إصدار الأوامر. ينبغي فهم ذلك فقد ضحّت بحياتها كلها من أجلنا». ومن الميزات التي تؤكد عليها المؤلفة أيضاً في شخصية ياسر عرفات هي أنه كان شديد الانتباه للبشر ولأدق التفاصيل التي كانت تجري حوله. وتروي أنه عندما كانت في «قصر الصنوبر» بالجزائر مع حفل من الصحافيين بانتظار مؤتمر صحافي مع القائد الفلسطيني مرّ بسرعة مع رجاله باتجاه المنصة ثم توقف فجأة ونظر إليها حيث كانت وناداها بصوت عالٍ «رنّ في الصالة كلها». تقول «لم أفهم أبدا كيف استطاع أن يراني بين ذلك الجمع الغفير. هل كان يمتلك عينين في ظهره»؟ وتروي المؤلفة في سياقات مختلفة أنها رأت في نظرة أبو عمار كل آلام شعبه: «التعذيب والاضطهاد والمرأة التي أحبها وقتلها الموساد واغتيال أبو جهاد، وأبو إياد ولحظات اليأس والظلم المتجدد، ومعركة الكرامة وصبرا وشاتيلا وأيلول الأسود، والقائمة التي كنت أراها في نظرته كانت بلا نهاية». انتصار الوزير في لقاء الجزائر خلال شهر سبتمبر 1991 التقت المؤلفة للمرة الأولى أيضاً بالسيدة انتصار الوزير، أرملة الشهيد خليل الوزير، أبو جهاد. وتنقل عن أبو عمار قوله لها ذات مرة: «عرفت انتصار عام 1956 عندما كان عمرها 14 سنة. كانت لا تزال طفلة تقريبا وكانت تنقل القنابل في سلة البرتقال. لقد كانت ارتقت في صفوف فتح وغدت عضوا نشيطا فيها عام 1965، إذ كانت تدير شبكتنا السريّة، وكانت المرأة الوحيدة التي تعرف كل المقاتلين المنتشرين في الشرق الأوسط». وأضاف: «إن تاريخ الأول من سبتمبر 1965 لا يزال حاضرا في ذاكرتي، لقد عرف ذلك اليوم اعتقال مجموعة فدائية كاملة وتعرض أعضائها للتعذيب. كانت انتصار في منزلها مع وليدها حيث كان أبو جهاد في ألمانيا. وقد تلقيت يومها الاتصال التالي: إن أجهزة سرية عربية رصدت بدقة مكان إقامة قيادة العاصفة في بيروت. وسوف تقوم بضربتها عند الفجر. إن أسماء عشرات الفلسطينيين موجودة على القائمة وسيتم اعتقالهم جميعاً. «تعبير قيادة العاصفة كان يعني بشكل خاص اسم محدد هو انتصار. هكذا صعدت بسيارة أجرة ـ تاكسي ـ واجتزنا منطقة البقاع بسرعة فائقة وتجاوزنا جبل الشوف. كانت تغطّ في النوم فالساعة تجاوزت آنذاك منتصف الليل. لقد تركنا سيارتنا في شارع جانبي صغير، ونقرت بلطف عدة مرات على النافذة. أمسكت بمسدسها وفتحت النافذة قليلا. أشرت لها بالصمت وقلت لها وشوشة: «ينبغي أن نغادر بسرعة». «أخذت طفلها بذراعيها وبعض الثياب القليلة، لم اتفوّه بكلمة حتى تجاوزنا الحدود. إننا لم نثر شكوك الجنود إذ كنا نبدو كزوجين عربيين بامتياز. كانت انتصار على قناعة أن أبو جهاد قد اغتيل، هذا ما قالته لي عند وصولنا عند الفجر إلى دمشق بعد تلك الرحلة الزاخرة بالتوتر». سألت المؤلفة: «أبو عمار، لماذا لم تخبرها بما جرى أثناء الرحلة»؟ فأجاب: « ـ كنت أصلّي. ولم أتوقف عن الصلاة حتى لمحنا المدينة من بعيد عند الفجر». أعادت انتصار الوزير سرد الرواية فيما بعد وبنفس التفاصيل. وقالت عن زوجها الشهير أبو جهاد عندما سألتها المؤلفة عمّا تتذكر من حياتها معه: « ـ أتذكر كل شيء. كانت علاقة جميلة، وأتذكر أحيانا بعض الحركات الرومانسية التي كان يقوم بها. إنه لا يزال يعيش في داخلي، في كياني. إن حبا كبيرا كحبنا لا يمكن أن ينهيه الموت». لكن ذلك الموت أخذ منها «زوجها» وأخذ من أبو عمار أفضل أصدقائه. لقد كانا «روحا واحدة في جسدين». كما قال القائد الفلسطيني والدموع تنفجر من عينيه يوم سمع الخبر المفجع. 1967 من اللحظات المهمة والحزينة في حياة أبو عمار تلك التي أعقبت هزيمة يونيو 1967. كان عندما بدأت إسرائيل عدوانها عند الساعة 45,7 من صباح الخامس من ذلك الشهر، في مخيم اليرموك بدمشق برفقة أبو جهاد الذي كان قد عاد قبل فترة وجيزة من ألمانيا. يقول: «لقد ذهبنا يوم 7 يونيو إلى الجبهة في الجولان، حيث كنّا قد كدّسنا كل ما وجدناه من أسلحة وذخائر، لكن الوقت كان قد تأخر، إذ عند حلول الليل قبلت الحكومة الأردنية وكف إطلاق النار». ويوم 10 يونيو كان قد انتهى كل شيء واحتلّت إسرائيل أراضي تعادل أربعة أضعاف في الأسبوع الفائت على الحرب. لقد انهار عرفات ورجاله. ومما جاء في رؤية أبو عمار لما جرى ولما آلت إليه الأمور نقرأ: «كيف يمكن أن نفسر بطريقة ملموسة وبطريقة مفهومة قسوة الضربة التي قادتنا إلى هزيمة بتلك السرعة وبذلك القدر من الفاجعة؟ (...) لقد أضحى علينا أن نقبل واقع أن كل المناطق التي كان مشروع التقسيم قد أعطاها لفلسطين العربية لفلسطين التاريخية، أصبحت تسمّى «الأراضي المحتلة». ثم إن 400 ألف فلسطيني وجدوا أنفسهم مرغمين على الهرب. والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ولّدتها زيادة خطورة مصير الفلسطينيين كانت مأساوية بالنسبة للمنطقة كلها». لكن أبو عمار لم يرضخ لمنطق الهزيمة واعتبارا من شهر يوليو 1967 أعلن للعالم أجمع أن الفلسطينيين سوف يتابعون حربهم ضد إسرائيل. ولم يتأخر عن الدخول سرّا إلى فلسطين المحتلّة ويقوم بتنظيم خلايا جديدة في فتح ويرفع معنويات رجاله وينصحهم بعدم مغادرة البلاد لأي سبب كان وفي ظل أي ظروف، حتى لو فجّر الإسرائيليون منازلهم وخرّبوا أرضهم. وكان يردد على مسامعهم القول إنه ينبغي قبول النوم في العراء وأكل جذور النباتات وشرب مياه نهر الأردن، ولكن عدم مغادرة فلسطين إلا بالموت. وقد طالبهم باللجوء إلى معارضة سياسية وثقافية واجتماعية وإنهاك إسرائيل خاصة أنهم لن يتخلّوا عن أرضهم. وبنفس الوقت كان يتخذ أقصى إجراءات الحذر كي لا يقع بيد السلطات الإسرائيلية. وتنقل المؤلفة عنه قوله: «ذات يوم عندما كنت بطريق المرور عبر القدس اجتاحتني موجة حنين قوية وأردت رؤية منزلنا من جديد قبل أن يفجّره الإسرائيليون. أردت رؤية شوارعي وحيي ومكان ولادتي. من بعيد لمحت أخي فتحي وهو يسير في الشارع. لم أركض للقائه فذلك ربما كان يعني الجنون أو الانتحار. لقد دخلت مرات عديدة إلى إسرائيل ولكن متنكّرا باستمرار». معركة الكرامة كان يمكن لأبو عمار أن لا ينام طيلة الليل كي يتحدث عن معركة الكرامة. وكانت عيناه تلمعان وتفصحان عن قوة وشباب مدهشين، هكذا تصفه مؤلفة الكتاب. وتقول إن أبو عمار استقبلها ذات مرة في مقر قيادته بتونس لإجراء مقابلة عن سيرة حياته استغرقت أربع ساعات من أجل القناة الإيطالية التلفزيونية الخامسة. ومما قاله عن معركة الكرامة: «أقمنا عدة قواعد في الأردن، على شواطئ النهر. وفي شهر مارس ـ آذار 1968 علمت أن الإسرائيليين يحشدون قواتٍ على الجانب الآخر من النهر مقابل الكرامة. وقد جمعت عندها عددا من القيادات وقلت لهم: الإسرائيليون سيهاجمون الكرامة من أجل إبادتنا. علينا المواجهة كي يعرف الشعب الفلسطيني وكل العرب أن المقاومة الفلسطينية وليدة، ولكنها أصبحت قادرة على مواجهة الجيش الإسرائيلي (...). الكرامة سوف تكون قبرنا أو رمز بزوغ أمل جديد». وأضاف: «عانقت للمرة الأولى والأخيرة أعضاء المجموعات الفدائية الانتحارية التي سوف تواجه رتل الدبابات الإسرائيلية الأولى بالمتفجرات. كان عدد أولئك الفدائيين 17 بقي واحد منهم فقط على قيد الحياة. وباسم ذكراهم وتكريما لهم جرى تأسيس القوة 17 لحراستي الشخصية». كانت إسرائيل تحضّر الهجوم بوضوح. ويوم 18 مارس جرى إخطار عرفات من قبل ضابط كبير في جهاز الاستخبارات الأردني، وكان هو نفسه قد استقى المعلومات من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أن الهجوم الإسرائيلي غدا وشيكا. وجرى استدعاؤه بسرعة إلى عمّان مع صلاح خلف من قبل قائد الجيش عمار خماش الذي قال له: «أبو عمار، إلا ترى أن إسرائيل تحشد القوات منذ عدة أيام لإبادتكم؟ ولمرة أسمح لكم باللجوء إلى الهضاب المجاورة». وكانت إجابة أبو عمار: «إن أمتنا العربية لا تفعل حتى الآن سوى التراجع والهرب. كلاّ ينبغي إفهام العدو الإسرائيلي أن هناك أناسا لا يهربون، وسوف نواجههم». وكانت معركة الكرامة. المؤلفة في سطور إيزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب، من مواليد الأوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان وتشاد والعراق والبوسنة والصومال. وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم. كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل الـ «راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين، ولصحف في مقدمتها «لوموند» الصادرة في مدريد. نالت إيزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحافية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات تأليف: ايزابيل بيزانو عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009 ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين- الحلقة(5) عرفات لم ينم ليلتين متتاليتين في مكان واحد واجه الرئيس الراحل ياسر عرفات خطر الموت مرات في حياته ولكن العناية الإلهية أنقذته مما كان يبدو موتا محققا. هكذا كان أثناء حادث سيارة خطير عندما صدمت السيارة التي كان يقودها. وجها لوجه شاحنة كبيرة على طريق عمان بغداد. كان ذلك عام 1969. وكان لأسباب أمنية لا ينام بنفس المنزل ليلتين متتاليتين، كما تعود أن يغيّر خط سيره المقرر في آخر لحظة مما جعل من الصعب نصب كمائن له. وفي عام 1992 سقطت طائرته في الصحراء الليبية ونجا أيضا بأعجوبة بعد أن فقد عدد من مرافقيه حياتهم في الحادث، لقد أنقذه جمّالون وجرى نقله إلى أحد المستشفيات الليبية.وكانت من أقسى المواجهات التي عاشها مع إسرائيل بعد أن عاد إلى فلسطين يوم الأول من يوليو 1994 وأقام مقر السلطة الفلسطينية في «المقاطعة» برام الله.حيث ضرب عليه الإسرائيليون حصارا رهيبا وقطعوا عنه الماء والكهرباء لمدة 34 يوما متتالية. لقد صمد أبو عمار أمام دبابات إسرائيل وصواريخها التي حوّلت «القصر الرئاسي» إلى شبه خراب. لقد صمد، لكن علامات الإعياء ظهرت على وجهه وجسده الذي نحل وضعف آنذاك. في عام 1969 غادر ياسر عرفات الأردن متوجها إلى بغداد. كان اليوم ممطرا والطريق ضيقة وزاخرة بالحفر. على المقعد الخلفي للسيارة كان يرقد ابو داوود والسائق الذي كان يغطّ في نوم عميق بينما كان الزعيم الفلسطيني يقود بسرعة فائقة كي لا يتأخر عن موعده مع الرئيس العراقي. وفجأة برزت بالاتجاه المعاكس شاحنة كبيرة وكان الاصطدام المريع بحيث أصبحت سيارة المسافرين الثلاثة كومة من الحديد. لكن الرعاية الإلهية حمتهم وأمضى أبو عمار وابو داوود اللذين أصيبا بجروح وكسور شهرا كاملا في المستشفى . حيث زارهما صدام حسين. وما أن انتهت فترة النقاهة الضرورية حتى خفّ أبو عمار للعودة إلى الأردن حيث التقى بالملك حسين لتهدئة التوتر بين المقاتلين الفلسطينيين والسلطات الأردنية. لا مسكن ثابت لم يكن لدى أبو عمار آنذاك أي مسكن ثابت ولأسباب أمنية لم يكن ينام أبدا ليلتين متتاليتين في نفس المكان. وكان يحب أن يختار أين يمضي الليل بدون تخطيط، بحيث أنه لم يكن يعرف أحيانا في الصباح أين سوف ينام في المساء. في مثل ذلك السياق كان من الصعب جدا نصب كمين له. وتتم الإشارة هنا إلى أنه بعيد معركة الكرامة، قامت بلدان عربية عديدة بتقديم العون المالي للفلسطينيين مثل السعودية وليبيا وحتى الرئيس السوري الذي لم يكن يحب عرفات- أرسل له «هدية» محمولة على سفينة جزائرية كانت محمّلة برشاشات الكلاشنكوف. كذلك قدّمت الصين الأسلحة، ولكن مقابل دفع ثمنها. وفي أوروبا كان دعم الجنرال ديغول للقضية الفلسطينية كبيرا، وكان ياسر عرفات يكنّ له صداقة عميقة بحيث أنه كان قد حمل على صدره حتى وفاته «صليب اللورين» - رمز المقاومة الفرنسية - الذي قدمه له الجنرال. كان ابو عمار يرى أنه من الخطأ الكبير نقل الحرب إلى أوروبا. وقد كان يعيب كثيرا على الدكتور جورج حبش القيام بعمليات خطف الطائرات. لكنه بالمقابل لم ينتقده سوى في المحافل الخاصة وليس أبدا في المحافل العامة. وفي أجواء النزاع في الأردن عام 1970 (سبتمبر) مع الفلسطينيين اتصل الرئيس المصري جمال عبدالناصر بالزعيم الفلسطيني الذي روى ما حدث كما يلي: «عادت لي الحياة من جديد عندما علمت أن عبدالناصر قد دعا لعقد قمة عربية استثنائية في القاهرة. وبغية التمكن من حضورها قرر الملك حسين هدنة لكن جنرالاته تجاهلوها تماما. ولم يسمحوا لي بالوصول إلى المطار. وقد استطعت الخروج من عمان بفضل اثنين من مبعوثي الجامعة العربية هما جعفر النميري من السودان ورئيس وزراء تونس. لقد غادرت عمّان معهما في سيارة دبلوماسية كويتية على أساس أنني دبلوماسي كويتي». «في القاهرة، بذل عبدالناصر جهودا حقيقية من أجل وضع حد للمأساة. وقد قال لي في السر: علمت أن الأجهزة السرية الأردنية تريد إقناعك أنني أعطيت الضوء الأخضر للهجوم على الفلسطينيين. هذا افتراء كامل. على العكس قمت بتحذير الملك مرتين وطلبت منه بحزم أن لا يفعل ذلك». وختم أبو عمار قوله: «في النهاية توصلنا إلى اتفاق بفضل عبدالناصر والملك فيصل. وقد نص ذلك الاتفاق على سحب قوات الطرفين من عمان وتجميع الوحدات الفلسطينية في جرش». لكن ضربات سبتمبر القاسية لم تتوقف مع سقوط الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، ولكن يوم 28 من ذلك الشهر عرف مأساة أخرى قال عنها أبو عمار: «غداة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بحضور الملك فيصل بين منظمة التحرير الفلسطينية والملك حسين علمت بوفاة عبدالناصر، إثر أزمة قلبية. وصلني الخبر في دمشق بعد وصولي إليها بساعات. إن ضربة القدر تلك غير المنتظرة أفاضت دموعي إذ كنا قد خسرنا قائدا تاريخيا كان يجسّد تطلّع الشعب العربي إلى الكرامة والوحدة. ومنذ عام 1968 ساعدنا الراحل ودعمنا، وكان رئيس الدولة الذي أرشد خطواتنا الأولى في الطريق الدبلوماسي». سقوط طائرة الرئيس ويوم 7 أبريل من عام 1992 سقطت طائرة أبو عمار في الصحراء الليبية وانقطعت أية صلة فيها. اتصل بسام أبو شريف يومها بالبيت الأبيض وطلب إبلاغ الرئيس كارتر على الفور. ذلك أن الولايات المتحدة مسلّطة باستمرار على ليبيا وقد يمكنها تحديد مكان سقوط الدائرة؟ وبعد ساعة فقط، جاءته الإجابة: «لقد وجدناها وسوف نحدد لكم إحداثيات موقعها بدقة. بقيت معرفة كم ستستغرق عملية الإنقاذ. وإذا كان هناك أحياء». إن مجموعة من الجمّالين الليبيين وجدوا أبو عمار ورفاق رحلته ممن بقوا على قيد الحياة. وفتح القائد الفلسطيني عينيه ليجد نفسه على سرير المستشفى وبجانبه العقيد معمر القذافي. واجه أبو عمار الموت مرات ومرات وانتقل من منفى إلى آخر. وتنقل المؤلفة ما جرى في مقابلة أخيرة لها معه في تونس، بعد أن كان قد تزوج من السيدة سهى عرفات وأصبح أبا لطفلة، الحوار التالي معه عن أحداث عرفتها حياته حتى آنذاك: هل تستطيع أن تعيش أحيانا حياة طبيعية؟ كيف تطرحين علي مثل هذا السؤال؟ وأنت تعرفين أكثر من أي شخص آخر أن الإجابة هي لا وبعد الحب الكبير. ندى يشرطي، تلك المرأة التي اغتيلت في بيروت. الجميع يذكرون جنازتها حيث مشت المدينة كلها وراء النعش. من الذي قتل ندى، سيادة الرئيس؟ الموساد هل تزوجت بهذه السن المتأخرة بسبب الخوف؟ لماذا تزوجت سهى الطويل؟ لأنها المرأة الوحيدة التي قبلت العيش معي. فليباركها الله. ما هي الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها؟ لم أقترف أخطاء كبيرة، فقط أخطاء صغيرة. هل نلتقي العام القادم في القدس؟ إن شاء الله. في رام الله لم يكن اللقاء العام التالي في القدس، ولكن كان في رام الله عام 2001. كان ابو عمار قد عاد إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقيات اوسلو وأصبح رئيسا شرعيا للسلطة الفلسطينية، واستمرّت بنفس الوقت معركته من أجل إرساء دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، مع إرساء مختلف المؤسسات التنفيذية والتشريعية. لقد اجتاز أبو عمار الحدود يوم 1 يوليو 1994 بعد 27 سنة من المنفى لتبدأ سنوات من متابعة مقارعة الإسرائيليين. وكان الإسرائيليون قد ضربوا حصارا ظالما على مقر السلطة الفلسطينية في «المقاطعة» برام الله منذ فترة عندما وصلت مؤلفة هذا الكتاب إليها حيث استقبلها بسام ابو شريف في منزله. كانت تعرفه منذ سنوات طويلة وكان يعرف أنها كانت قريبة جدا من ابو عمار. هكذا قال لها فجأة: «هل تريدين لقاء ابو عمار. إنه في الطرف المقابل ولا يفصلنا عنه سوى باب وشارع صغير. إذا أردتِ أرافقك». لكنها اكتفت عند عودتها إلى الفندق بكتابة رسالة طويلة للرئيس الفلسطيني تهنئة فيها على استرداد بلاده. «ثم عدت إلى بلادي، لكن قلبي كان في فلسطين»، تقول. وبعد أن تشرح المؤلفة على مدى صفحات سياسة العدوان التي مارستها إسرائيل بكل حكوماتها، وخاصة حكومة ايهود باراك التي سمحت لارييل شارون بـ «التنزّه» داخل الحرم الشريف وتتحدث أيضا عن التحيّز الأميركي حيث أرادت إرادة كلينتون أن تفرض على الفلسطينيين في كامب دافيد تنازلات لا يمكن أن يقبلها الشعب الفلسطيني، مثل التنازل عن المدينة المقدسة فكانت أبو عمار: «إنني لم آت إلى هنا من أجل التخلي عن القدس». وفي شهر مايو من عام 2002 بدا بوضوح أن الإسرائيليين يريدون القضاء على ابو عمار. وأمام ما عرضته شاشات تلفزيونات العالم بدت الدبابات الإسرائيلية وهي تتقدم. وكان الحديث الهاتفي بين المؤلفة وبسام ابو شريف الذي قال: إنهم هنا. ولقد دمّروا كل شيء في طريقهم. ولم يعد لدينا ماء ولا كهرباء. وهذا الهاتف هو جهاز مساعد فالجهاز المركزي لا يعمل. والرئيس؟ إننا لا نعرف عنه شيئا. ثم انقطع الاتصال الهاتفي. لكن ابو عمار استطاع الصمود والبقاء رغم صواريخ ارييل شارون. وبعد أيام تلقت المؤلفة اتصالا هاتفيا من الرئاسة الفلسطينية وصوت يقول: «لقد رفع الإسرائيليون الحصار والرئيس ينتظرك غدا».وبعد عناء كبير ومضايقات من الشرطة والجمارك في مطار بن غوريون وصلت مع فريقها إلى رام الله. حيث نزلوا بأحد الفنادق بالقرب من «المقاطعة» مقرّ الرئيس عرفات. وعندما ولجوا ذلك المقر رأوا كيف أن نوافذه أصبحت سوداء بسبب الحرائق والأكياس الترابية تحجب الزجاج. كل شيء كان يبيّن قساوة الحياة التي عاشها الزعيم الفلسطيني خلال 34 يوما من الحصار الموجّه ضده شخصيا. كان هو نفسه يفترش أحد الأكياس دون غطاء. ذلك المبنى كان هو بقايا القصر الرئاسي الفلسطيني. كان مكان اللقاء مع أبو عمار ضيقا ومظلما. وجلس على كرسي جلدي أسود وخلفه علم فلسطين. لقد ظهرت الشيخوخة على محياه وهزل وشحب لونه، كما تصفه المؤلفة قبل أن تقول: لقد تعرضت بلادكم للهجوم وإخوتكم العرب رفضوا استخدام سلاح البترول للضغط على إسرائيل. لا يمكننا أن ننسى أن البلدان العربية صاغت مبادرة هامة بناء على اقتراح الأمير عبدالله وأقرّتها قمة الجامعة العربية وتخص السلام بين العرب وإسرائيل. لكن إسرائيل أجابت بالهجوم على جنين (...) ودمرت نابلس، أقدم مدينة في فلسطين. إن إسرائيل استخدمت بالهجوم كل ما تمتلكه من طاقات ودمرت الكنيسة الأكثر قدما في رام الله وأربعة مساجد. وأضاف: «أخطر الأحداث جرت في بين لحم، في معسكر بيت جالا، وكنيسة الميلاد، وكانت قد دكّت تمثال العذراء بالمدافع. فهل يمكن تصور أن يهب العالم ضد الأفغان أنهم دمروا تماثيل بوذا في باميان وأن تمر جريمة كالتي حدثتكم عنها دون أم يلحظها أحد؟ (...) وعندما أتى موفدو جورج دبليو بوش حرصوا على عدم الاقتراب من الكنيسة. ويبدو أن الاسرائيليين يحضّرون عملية مشابهة ضد غزة». كانت نظرة ابو عمار في ذلك اليوم تبدي أنه يتهيأ لاجتياز الحدود نحو العالم الآخر. الكتاب: ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين تأليف: ايزابيل بيزانو عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس كتاب ـ ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين ـ الحلقة (الأخيرة) وفاة أبو عمار بسم إسرائيلي غامض تأليف :ايزابيل بيزانو بعد مضي خمس سنوات على رحيل القائد الفلسطيني ياسر عرفات في مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي بأحد ضواحي باريس لا يزال هناك الكثير من الأسئلة وإشارات التفاهم عمّا إذا كانت وفاته طبيعية أو أنه مات مسموما؟. مؤلفة هذا الكتاب تعود إلى توصيف السياق الذي جرت فيه وفاة الراحل وإلى الملف الطبي الخاص بها. وتبيّن أن النوايا الإسرائيلية لاغتيال ابوعمار كانت واضحة ومعلنة، خاصّة تلك التصريحات التي أكد فيها شارون أنه يريد «التخلّص» منه ليس حيّا ـ بل ميتا. وهذا ما كان قد اعترف به لصديقه الكاتب والصحفي الإسرائيلي اوري دان الذي نشر اعترافاته في كتاب صدر عام 2005. وتنقل المؤلفة عن العديد من الإسرائيليين تأكيدات وأقوال تشير كلّها إلى أن السلطات في إسرائيل لا تقيم وزنا للمعايير الأخلاقية وللديمقراطية التي تدعي أنها تمثّلها. الهدف الدائم لها هو تدمير الرموز الفلسطينية، وكان أبو عمار في طليعتها. أمّا الملف الطبي الخاص بوفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ففيه الكثير من نقاط الغموض التي تفنّدها المؤلفة بالاعتماد على آراء الخبراء وكبار الاختصاصيين. مضت خمس سنوات على وفاة أبو عمّار. والدماء الفلسطينية لا تزال تسيل. وتشير المؤلفّة أنه عندما بدأت الإشاعات تسري بقوّة حول احتمال أن يكون قد جرى تسميم القائد الفلسطيني اقترحت على صحيفة « لوموندو» الإسبانية التي تعمل معها القيام بتحقيق صحفي حول الموضوع. لم توافق الصحيفة على الاقتراح بسبب عدم إمكانية التحقق من صحّة أو عدم صحّة الوثائق المتداولة. لكن هذا لم يمنع المؤلفة من القيام بتحقيقها بدافع شخصي بحثا عن الحقيقة.إنها تعود إلى ربيع عام 2002 عندما أكّد شارون القول:«سوف أطرد عرفات من الأراضي». لم يحدد شارون القول حيا أو ميتا، لكنه كان يتحدث غالبا بفخر واعتزاز عن اغتيال الشيخ احمد ياسين الذي كان يتنقل على كرسي متحرّك وبعده عن اغتيال خليفته على رئاسة حماس عبد العزيز الرنتيسي. وتنقل المؤلفة أن الصحافي الذي أجرى معه المقابلة سؤاله له إذا كان يرى أن هناك فرقا بين عرفات وياسين والرنتيسي اللذين كانا قد اغتيلا فأجاب بدون تردد: «لا أرى أي فرق أبدا. وسوف نتصرّف ضد عرفات كما تصرّفنا ضد هؤلاء القتلة». تدمير الرموز وتشرح ايزابيل بيزانو كيف أن شارون قد سكنته فكرة تدمير الرموز الفلسطينية مع علمه المسبق أن ذلك لا جدوى منه.إذ ليس هناك ما هو أطول من حياة الشهيد الذي تغدو أسطورته أكبر بعد موته مما كانت عليه أثناء حياته. وكان شارون يعطي دائما الجواب التقليدي المألوف لدى الصهاينة بحيث يعتبرون دائما الضحايا كقتلة والقتلة كضحايا والنتيجة هي أن الشعب المضطهَد طيلة تاريخه يمارس الاضطهاد على الفلسطينيين. لم يكن شارون هو الوحيد الذي يريد موت ابو عمّار.وتؤكّد المؤلفة أن شاؤول موفاز، وزير دفاعه كان يسعى لتحقيق الهدف نفسه. وإيهود باراك كان موافقا أيضا على اغتيال ياسر عرفات، لكنه كان يتمنّى أن لا يبقى أي أثر يشير إلى مشاركة إسرائيلية في الاغتيال. وتنقل المؤلفة عن الكاتب الإسرائيلي امنون كبليوك، المتوفي في عام 2009، أنه التقى مع صحفي إسرائيلي كبير فضّل عدم الإفصاح عن هويته أنه أكّد له قابل ثلاث شخصيات من الأجهزة السريّة الإسرائيلية ناقشوا، كل منهم على حدة، الطريقة المثلي للانتهاء من القائد الفلسطيني. وقد وصلوا ثلاثتهم إلى نفس النتيجة وهي أن اللجوء إلى السمّ هو أفضل الوسائل. كان ذلك في مطلع عام 2004. وتجدر الإشارة إلى أن كبليوك قد نشر مقالا في مجلّة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية الفرنسية في شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني من عام 2005 أكّد فيه نفس القول. كان المقال تحت عنوان: «هل أغتيل ياسر عرفات؟». وتشير المؤلفة أيضا إلى أنه بعد رفع الحظر المفروض في سبتمبر ـ 2005 على أسرار الدولة ظهر بوضوح أن الحكومة الإسرائيلية التي تزعم أنها تجسّد دولة القانون كانت تمارس يوما بعد يوم عمليات إرهابية. والانفجار الذي جرى في فندق داؤود في القدس يوم 22 يوليو 1946 وتمّ فيه استخدام 350 كيلو من مادة الديناميت قتل 91 شخصا وجرح 50. بالتالي من المنطقي جدا، كما ترى المؤلّفة، أن يلجأ حكّام إسرائيل إلى البحث عن جميع الأساليب وشراء ما أمكنهم من العملاء من أجل اغتيال قائد فلسطيني من طراز ابو عمّار، ولو كان حاصلا على جائزة نوبل للسلام. كان شارون فخورا بالأعمال التي يقوم فيها وكان بالتالي حريصا على تعريف العالم بها. هكذا وجد في صديقه الكاتب اوري دان الشخص الجيّد للقيام بالمهمة. وقد وعده شارون أنه سوف يكشف له سرّا سيحدث ضجّة هائلة. لم تكن المخيلة تنقص ذلك الصحفي والسينمائي أيضا، لكن ما رواه له شارون تجاوز خياله كثيرا. لقد أطلعه على حوار هاتفي جرى بينه وبين جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة السابق. وقد أفصح اوري دان عن محتواه في كتابه الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2005، ولا يمكن العثور عليه بسهولة في المكتبات الفرنسية، تحت عنوان « شارون، محادثات من القلب». جرى ذلك الحوار الهاتفي يوم 14 أبريل ـ عام 2004 وأعلن شارون فيه لبوش أنه لم يعد يستطيع الوفاء طويلا بالعهد الذي كان قد قطعه له في شهر مارس ـ آذار من عام 2001 بعدم اغتيال ياسر عرفات. كان ذلك يفصح بجلاء أن شارون لم يكن يعاني من أيّة معضلة أخلاقية في اللجوء إلى ممارسة القتل.البشر الذين لم يرتكبوا الإجرام يعرفون، كما تشير المؤلفة، أن القتل ليس سهلا. لكن يبدو أن قدرة القتل في الخفاء هي من خصال قادة إسرائيل. بنيامين نتانياهو وابنه حامت حولهما تهم الفساد. وشارون متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بالمساهمة في التحضير لمذابح صبرا وشاتيلا.وشامير كان قبل أن يصبح رئيسا لوزراء إسرائيل رئيسا لمنظمة ارغون السريّة التي كانت بريطانيا قد اعتبرت أفعالها إرهابية. وإيهود اولمرت واجه الاتهام بممارسة الفساد وتعرّض للمحاكمة من أجل ذلك؟ أمّا جورج دبليو بوش، المعروف بإيمانه القوي حيث أنه الرئيس الوحيد في العالم الذي أعلن الحرب على أفغانستان من كنيسة فقد قال: «ينبغي أن نترك مصير ياسر عرفات بيد العناية الإلهية». ولم يتردد شارون في أن يردد أمام اوري دان قوله: « قد يحصل وتكون العناية الإلهية بحاجة إلى مساعدة صغيرة». وقد حدد شارون القول لدان ان بوش حافظ على الصمت عندما أخبره أنه لن يستطيع الوفاء طويلا بوعد عدم اغتيال عرفات. وقد رأى شارون أن التفسير الوحيد الممكن لصمت بوش هو أن من لم يتكلّم يكون موافقا.وترى المؤلفة أنه من المنطقي تصوّر أن الجنرال شارون لم يبخل بـ «المساعدة الصغيرة» التي تحدّث عنها. ولم يتوقف شارون في البوح بأسراره لأوري دان عند ذلك الحد. بل أكّد أنه حلم على مدى سنوات بقيادة مجموعة كوماندوز ومهاجمة «المقاطعة»، مقر ياسر عرفات، واغتياله. ويبدو بوضوح من اعترافات شارون نفسه أنه لم يكن يريد عرفات سجينا، بل ميتا. تشير المؤلفة هنا إلى أن اوري دان أكّد تدهور الحالة الصحيّة لياسر عرفات قد بدأت بعد فترة وجيزة من ذلك الحديث الهاتفي الذي جرى يوم 14 ابريل من عام 2004. لكنها تؤكّد من جهتها أنها على يقين تام أن ذلك التدهور كان قد بدأ قبل ذلك ونوايا شارون لم تكن أسيرة ذلك التاريخ أيضا. وفي الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 2005، بعد نشر اعتراف شارون ل«اوري دان» نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالا تحت عنوان:« عرفات توفي بالإيدز أو بالسمّ». كان المقصود هو صرف الانتباه عن اعترافات شارون لصديقه دان.وتنقل المؤلفة عن ذلك المقال بدايته التي جاء فيها:« عزت صحيفة نيويورك تايمز الوفاة ـ وفاة عرفات ـ إلى نزيف سببه مرض غير معروف، لكننا نشير إلى أنه لا يوجد في الملف الطبّي ما يدلّ على أثر للسمّ أو للإيدز». وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن اموس هاريل وآفي ايسّاشاروف مؤلفي كتاب «حرب إسرائيل السابعة» ذكرا بالاعتماد على أخصائي إسرائيلي أن احتمال إصابة عرفات بفيروس نقص المناعة المكتسب «الإيدز» هو احتمال ضئيل.وما تؤكّده المؤلفة أن المقصود كان بوضوح هو الإساءة إلى ذكرى الزعيم. أن ابوعمار، حتى بعد وفاته، بقي هدفا للصهاينة الذي يخشون المشاعر التي تركها في قلب الفلسطينيين. وتنقل المؤلفة عن امنون كبليوك، الكاتب الإسرائيلي المتوفى قبل فترة وجيزة ـ في عام 2009 ـ أن أحد مؤلّفي كتاب «حرب إسرائيل السابعة» أكّد له ذات مرّة بصورة شخصية قناعته الجازمة أن عرفات مات مسموما.كما تشير إلى أن يورام بينور، مراسل القناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية، كان قد استخدم بوضوح ودون تحفّظ في مراسلة له بتاريخ 30 سبتمبر 2005 تعبير اغتيال عرفات في إطار تفسير سبب وفاته. الملف الطبّي هنا تفتح المؤلفة قوسين لتقول أن معرفة سبب وفاة ابوعمار تستدعي بالضرورة العودة إلى فتح ملفّه الطبي. وتشير إلى أنه في فترة احتضاره كان هناك شخصان فقط لهما الحق في الاطلاع على ذلك الملف وهما زوجته سهى الطويل وأحد أفراد أسرته، ناصر القدوة، الدبلوماسي الفلسطيني آنذاك في الأمم المتحدة. السلطات الفرنسية اعتمدت في إمكانية الوصول إلى الملف على درجة القرابة. وتنقل المؤلفة عن نبيل معروف السفير الفلسطيني السابق في مدريد قوله أن الملف احتوى على 558 صفحة. النقطة الأكثر أهمية فيه تعيد الوفاة إلى التهاب في الأمعاء الدقيقة حصل قبل 30 يوما ـ من الوفاة ـ وإلى أعراض أخرى دموية وعصبية أدّت كلّها إلى غيبوبة كاملة. وينتهي التقرير بجملة غامضة تقول: «لم يكن ممكنا التعرّف على الأسباب الطبيعية التي أدت إلى الوفاة». ثمّ يضيف: «لم يتم الكشف عن أيّة سموم معروفة من الطب». وهذا ما يفتح الباب واسعا، كما تقول المؤلفة، أمام إمكانية اللجوء إلى جميع جرعات السموم غير المعروفة مثل مادّة الكورار ـ مادّة تُستخرج من بعض النباتات استعملها هنود أميركا الشمالية لتسميم السهام ـ الذي يصعب الكشف عن وجودها في الجسد الإنساني حيث أنها تسبب شللا كاملا في الجهاز التنفسي. وتنقل المؤلفة عن إيريك برافيرمان، الخبير في ميدان الطب العصبي، قوله أثناء فترة احتضار أبو عمّار: «اليوم تستطيع الآلات ومنظومات التصوير الشعاعي وغيره أن تقوم بعملية «تشريح» حقيقية أثناء حياة المريض ؛ومن جهة أخرى أن دمه وبوله يمكنهما التوصّل إلى التشخيص. بالنسبة لي أعتقد أن الأطباء لديهم تشخيصا لكنهم يمتنعون عن البوح فيه». وتشير المؤلفة إلى أن قسم أمراض الدم في مستشفى بيرسي في كلامار في المنطقة الباريسية حيث توفي ابوعمار أحد أكثر الأقسام كفاءة في أوروبا. وبتاريخ 19 نوفمبر من عام 2004 جاء في تقرير سرّي موقّع من رئيس القسم أنه «بعد 13 يوما من دخوله إلى مستشفى بيرسي العسكري وفي اليوم الثامن من وجوده في قسم الإنعاش توفي السيد ياسر عرفات إثر نزيف وعائي دماغي كثيف». غموض التشخيص وبعد الإشارة إلى أن ذلك النزيف عقّد التوصيف السريري الذي يجمع أربعة من الأعراض أضاف التقرير: « إن استشارة عدد كبير من الخبراء في اختصاصات مختلفة بالإضافة إلى نتائج الفحوص التي أجريت لم يكن ممكنا تحديد إطار للتصنيف يشرح وجود الأعراض بنفس الوقت». كانت المحصّلة النهائية التي جرى عرضها أمام الملأ هي أنه لم يتم الكشف عن أي سمّ معروف سبّب وفاة ابوعمّار. لكن ذلك لم يمنع الصحافي والكاتب خالد العمايرة من أن يتساءل بتاريخ 16 أغسطس 2007:من الذي قتل ياسر عرفات في شهر نوفمبر 2004 ؟. وتنقل عنه المؤلف تأكيده أن رجال سياسة ورؤساء دول أجانب والطبيب الشخصي لعرفات هم جميعا على قناعة أنه لم يمت موتا طبيعيا. ولكن جرى بالأحرى اغتياله عبر حقنه بسم ربما من قبل عملاء الموساد. وتتم الإشارة في نفس السياق أيضا إلى تأكيد بسام أبو شريف في كتابه الصادر مؤخرا أن أبو عمار قد مات مسموما. وتشير إلى أنه اتصل بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك للكشف عن سبب وفاة الزعيم الفلسطيني، بل وبدقّة أكبر للكشف عن السمّ الذي قتله. وتخلص المؤلفة إلى القول في الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب الموقّعة بتاريخ 29 أغسطس ـ آب من عام 2009 ما يلي: «يرقد ياسر عرفات بسلام اليوم في جنّة العادلين.إنه لم يستطع استكمال مهمته على الأرض وأخّرت وفاته مرّة أخرى احترام حق شعبه في العيش بسلام في دولة ذات سيادة ». الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009 عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف


2010-01-23 11:30:10