من عبد الغفور عويضة
- منذ أواسط القرن التاسع عشر و الصهاينة يحاولون الحصول على موطئ قدم في فلسطين، وقد تحقق لهم ذلك من خلال سياسة الإصلاحات التي انتهجتها الدولة العثمانية آنذاك ليعطي لهم بعد ذلك وعد بلفور و من ثم إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني على أنقاض القرى التي تشرّد أهلها، مرورا بالحروب العربية الإسرائيلية و الحروب الفلسطينية الإسرائيلية إلى بناء جدار الضم و التوسع، هذا الجدار الذي يعتبر آخر ما تفتقت عنة العقلية الاستعمارية الصهيونية... الجدار الذي أعاق بل و عطّل بشكل نهائي حلم الدولة الفلسطينية، و ما يدل على ذلك توغل الجدار في أراضي الضفة الغربية و امتداده من شمال جنين شمالا إلى جنوب الخليل جنوبا و من طولكرم غربا إلى أريحا و الأغوار شرقا و قد ضم خلال خط سيره هذا مساحات من الضفة الغربية تصل إلى (10% ) منها و يعزل ما يقارب ال(300000 )فلسطيني و يُحكم السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه الجوفية في فلسطين بشكل كامل، ليس هذا و حسب بل إن اسرائيل تسعى إلى تجسيد الفصل الدائم بين و المستوطنين في الضفة الغربية من خلال شق طرق جديدة و إلغاء الطرق القائمة الأمر الذي يعيق التواصل بين مدن الضفة الغربية الأمر الذي يضع المواطنين فيها في سجون كبيرة و لتصبح هذه المدن عبارة عن "كنتونات" منفصلة عن بعضها، و احدث هذه المشاريع التي يتم تنفيذها الآن في إطار خطة الفصل إغلاق الطريق المؤدي إلى مدينة أريحا من الجهة الجنوبية الشرقية للضفة الغربية بمحاذاة بلدتي " حزما و عنانا " و الذي كان يشق مساره شرقا باتجاه مقام النبي موسى _عليه السلام _ وصولا إلى مدينة أريحا التي لا تقل أهمية من الناحية الجغرافية و التاريخية عن غيرها من المدن الفلسطينية بل أنها تتميز عنهن أنها مرآة الشعب الفلسطيني الذي يراه العالم من خلال السياحة فهي تحتوي على الكثير من الأماكن الأثرية و السياحية بالإضافة إلى مناخها الدافئ شتاءاً.
وقد بدأت إسرائيل فعليا بتحويل مسار هذا الطريق (المؤدي إلى مدينة أريحا و الذي يمر بمحاذاة حزما و عناتا) حيث بدأت بشق طريق يوصل إلى العيزرية مارا بقرية عناتا و أغلقت بشكل الطريق القديم المؤدي إلى أريحا لتنقل بذلك طريق أريحا إلى "زقاق" ضيق و هو ما يعرف عندنا بطريق "المعرجات" و الذي لم تراع فيه أي من شروط السلامة المرورية خاصة للحافلات و الشاحنات ذات الحمولة الكبيرة، فالطريق في الأصل كان عبارة عن مسلك يستخدمه السكان البدو للتنقل في مواشيهم و دوابهم و من ثم تم شقه دون مراعاة للشروط الهندسية و بعرض لا يتعدى الثلاث أمتار ،وهنا تبرز تساؤلات عديدة لا بد من الإجابة الرسمية عليها أولها لماذا ظل هذا الطريق على حاله منذ العهد الأردني دون أن تهتم به إسرائيل أو السلطة من بعدها ؟ لماذا لم تلتفت وزارة الأشغال العامة إلى هذا الطريق و الذي يعتبر بمثابة شريان الحياة لمدينة أريحا السياحية بعد الإعلان عن إغلاق الطريق الاستيطاني؟ أم أن هناك مشروعاً قادماً لإغلاق هذا الشارع شأنه شأن شارع أريحا_ القدس في محاولة لعزل مدينة أريحا و منطقة الأغوار بشكل كامل؟
إن هناك بعض الأشياء التي نسيناها أو تناسيناها في ظل الصراع القائم على السلطة و المحاصصة بحجة الشرعية،هذا الصراع الذي شغلنا رئاسة و حكومة و شعباً عن مقاومة سياسة الفصل و السيطرة على الأراضي التي ينفذا الاحتلال بطريقة ممنهجة ومدروسة... هذه السياسة التي ستؤدي حتما إلى ما اصطلح عليه" الهجرة القصرية" عن الأراضي في المناطق التي يتم عزلها، و إذا أمعنا في سياسة الفصل هذه و القائمة على فصل شوارع المستوطنين عن شوارع الفلسطينيين سنجد أنها استهداف آخر للأراضي الفلسطينية التي لم يستطع جدار الضم و التوسع أن يبتلعها و هذه السياسة تتجسد في موقع آخر من الوطن و تحديدا في محافظة قلقيلية حيث وزّع الاحتلال بلاغات على سكان قرية عزبة الطبيب (7كم شرق مدينة قلقيلية) و البالغ عدد سكانها 250 نسمة، هذه البلاغات تطلب من السكان المغادرة لان هناك شارعا يحمل الرقم31سيمر في القرية.
و هنا و انطلاقا من هذا المنطلق يمكننا القول أن شق شوارع استيطانية جديدة هو بمثابة استكمال لمشروع جدار الضم و التوسع و على السلطة الفلسطينية رئاسة و حكومة وعلى الشعب الفلسطيني بكل فصائلة أن يتصدوا لهذا المشروع بكل ما أوتيت من قوة و تفعيل مقاومة الجدار و ما يلحق به من مشاريع استيطانية على جميع المستويات شعبية محلية ودولية ، و دبلوماسية، و إعلامية، وغير ذلك ، لان في ذلك المشروع وأمثاله من المشاريع الأخرى استبعاد نهائي لمشروع الدولة الفلسطينية المتفق علية دوليا، و لا بد أيضا من تعزيز الوجود الفلسطيني فبي المناطق التي يستهدفها الاحتلال بمشاريعه الاستعمارية و الهادفة إلى إفراغ الأرض من أهلها بهدف السيطرة عليها دون سكان من خلال الدعم المادي و المعنوي و العمل على إيجاد آليات التواصل الاجتماعي بين هذه المناطق و مناطق الوطن الأخرى من خلال العمل على شق الطرق الآمنة و البديلة للطرق الاستيطانية التي يتم إغلاقها، وكذلك العمل على توسيع و إعادة تأهيل الطرق القديمة و المقامة منذ العهد الأردني لتتيح تنقل اكبر قدر ممكن من المواطنين الفلسطينيين دون أن تكون هذه الطرق بمثابة كمائن أو مصائد موتا تنهي حياة المواطنين.