قاموس عربي انجليزي - انجليزي عربي
تاريخ اليوم: 20/11/2008





























icon


اضغط هنا لعرض البث الحي والمباشر لتلفزيون فلسطي
icon
  المهندس جمال الخضري
رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار و النائب المستقل بالمجلس التشريعي



  جميل المجدلاوي
رئيس لجنة اللاجئين في المجلس التشريعي الفلسطيني وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين



  نايف حواتمة
الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين




icon
خدمات ومساعدات يقدمها موقع انتفاضة فلسطين الى زواره الكرام

مركز تحميل الصور

هذه الخدمة سوف تساعدك في تحميل صورة من جهازك على الانترنت مجانا - عبر موقع انتفاضة فلسطين

اضغط هنا لتحميل صورة من جهازك للموقع مباشرة


شريط ادوات انتفاضة فلسطين المميز

أول شريط أدوات على صعيد المواقع الفلسطينية الاخبار ويحتوي على شريط اخباري يعد الاول في المواقع العالمية

اضغط هنا للمزيد من المعلومات

للتحميل المباشر اضغط هنا


لوحة المفاتيح العربية

لا يوجد لديك لوحة مفاتيح عربية على جهازك لطباعة اللغة العربية, هذه الخدمة سوف تساعدك في الكتابة باستخدام الفأرة للطباعة باحرف عربية

اضغط هنا لاستخدام لوحة المفاتيح العربية

icon
قاموس متعدد اللغات مقدم من موقع انتفاضة فلسطين
اختر القاموس:


ادخل كلمة للترجمة:






  كتاب ـ الحرب الداخلية: تاريخ سري للبيت الأبيض ـ الحلقة (1) خبايا إدارة بوش للأوضاع في العراق تأليف :بوب وودوارد


هذا الكتاب صدر منذ أيام.. وما زال يثير في الدوائر السياسية والفكرية في أميركا عاصفة من الاهتمام والنقد والمتابعة ـ تأتي على شكل لقاءات متلفزة وعروض تحليلية منشورة وتعليقات إذاعية ذات توجهات شتى ومعظمها يهتم بموثوقية المعلومات التي يكشف عنها المؤلف من خلال المقابلات المسجلة التي أجراها مع أهم الشخصيات التي أدت أدواراً جوهرية على مسرح الأحداث في العراق وفي مقدمتها الرئيس بوش شخصياً.




ويلاحظ أن دوائر البيت الأبيض لم تشأ أن تشكك في موثوقية المعلومات ولكنها أعلنت أنها تختلف مع ما وصل إليه المؤلف من أحكام واستنتاجات.. خاصة وأن الكتاب يضم نصوصاً لأحاديث وتعليقات وآراء، فضلاً عن لقاءات محددة مع الرئيس الأميركي جورج بوش خصّ بها مؤلف الكتاب الذي لم يتردد في أن يشفع هذا كله بتعليقات ناقدة وأحياناً سلبية. في حين ظل يحرص منهجياً على متابعة مسار القنوات الخلفية التي كان البيت الأبيض يستخدمها من وراء ستار لتشكيل مسار الأحداث أو محاولة السيطرة عليها في غمار إدارة جمهورية حاكمة في واشنطن ولكن تستبد بها الصراعات بين القوى والاحتكاكات بين العناصر المؤثرة وكأنها حرب داخلية على نحو ما يقول عنوان الكتاب.




13 يونيو من عام 2006.. وقف رجلان في شرفة السفارة الأميركية في بغداد.. جاء الأول من واشنطن استعداداً للقاء رئيس الوزراء العراقي، ولكنه آثر أن يصغى إلى أبعاد الموقف يشرحه الرجل الثاني الذي كان قد أمضى في بغداد سنتين حافلتين بالأحداث. كان الأول هو الرئيس الأميركي بوش.. وكان الثاني هو الجنرال جورج كيسي قائد القوات الأميركية في العراق. كان مشهد الشرفة.. وما دار على أرضها من حوار بين الرئيس والقائد العسكري هو محور السطور الأولى التي افتتح بها الصحافي بوب وودوارد فصول أحدث كتاب ما زال موضعاً لحوارات وتحليلات وشغف عميق من جانب جماهير القارئين.




ولا تثريب علينا حين نستخدم مصطلحات المسرحية والستار والفصول ودراما الشخصيات: إن بوب ينشر مع الصفحات الأولى قائمة تحوي أسماء الشخصيات التي تناولتها فصول الكتاب على عادة ما يفعل مؤلفو المسرح ثم يشفع اسم كل شخصية ببيان الوظيفة أو بالأدق «الدور» الذي تلعبه في دراما الأحداث التي تدور وقائعها بين أميركا والعراق. أول عبارات الحوار ـ الدرامي وهو بداهة حوار موثق لأنه جاء على لسان الرئيس بوش مخاطباً الجنرال كيسي قائلاً: يتعين علينا أن نكسب. وبعدها يعلق المؤلف فيقول: إن هذا التأكيد على ضرورة الفوز في حرب العراق سمعه الناس متكرراً في أكثر من مناسبة.


بل سمعه الجنرال كيسي شخصياً عشرات المرات. المهم أن الجنرال رد على الفور مخاطباً رئيس الجمهورية: أنا معك.. ولكن لكي نكسب علينا أن نخفض حجم قواتنا إلى الحد الذي تستطيع أن تتحمل وطأته ويتحملونه هم أيضاً. يوضح المؤلف أن «هم» يقصد بها العراقيون، مضيفاً في هذا السياق ما يلي (ص 4): كان الجنرال كيسي يشعر أن العراقيين وهم شعب معتز بنفسه ومقاوم ضد الاحتلال الأجنبي.. لا بد وأن يتسلموا مقاليد الأمور في نهاية المطاف. ومن ثم فإن وجود قوات أميركية بحجم كبير كان يعني عدم الاحترام. والأسوأ من هذا أيضاً أنه يجعل العراقيين في حالة اعتماد على الغير.


يواصل المؤلف قراءته في أفكار القائد العسكري الأميركي في العراق فيقول أيضاً: كان العراقيون بحاجة إلى استرجاع بلدهم واحترامهم لأنفسهم ـ وتلك أمور جوهرية بالنسبة لثقافة العرب. كانوا بحاجة إلى أن يخوضوا حربهم الخاصة بهم وأن يديروا حكومتهم النابعة منهم.. والمشكلة إن لم يتح لهم لا هذا ولا ذاك.


ويعرض المؤلف لمشكلات كثيرة خلال الفقرات الاستهلالية من الكتاب.. ومشكلات أكثر كانت تشغل بال الجنرال كيسي وهو يقود قوات الولايات المتحدة في بلاد الرافدين.. وبغير مقدمات يمضي المؤلف قائلاً: خلص الجنرال إلى أن ثمة مشكلة رئيسية تكتنف سير الحرب في العراق.. وهذه المشكلة هي... الرئيس بوش شخصياً.


ولقد أسرّ الجنرال المخضرم إلى زميل له موضحاً كيف أن بوش كان يعكس آراء وموقف الجناح المتطرف من الحزب الجمهوري في أميركا حيث ظل هذا الجناح يردد الشعار التالي: اقتلوا أبناء السفلة.. تحققوا ما تنشدونه من نجاح.


ومنذ البداية ظل الرئيس بوش يتابع تطورات هذه الحرب من المنظور التقليدي فلا يكف عن السؤال عن عدد أفراد العدو الذين وقعوا أسرى أو سقطوا قتلى. كان للجنرال كيسي رؤية مغايرة على نحو ما يضيف بوب ودوارد قائلاً: الجنرال كان يرى أن المعركة الحقيقية تتمثل في أمر جوهري هو: إعداد العراقيين لحماية وحكم أنفسهم بأنفسهم.


بل كان كيسي لا يفتأ يحيل إلى آراء الكولونيل البريطاني لورنس، الشهير تاريخياً باسم لورانس ـ العرب والذي سجل في كتابه بعنوان «أعمدة الحكمة السبعة» آراءه عن العرب في العبارات التالية: دعهم ينجزون الأمر بأيديهم ولو جاء منقوصاً، وهذا أفضل من أن نعمله كاملاً ولكن بأيدينا نحن.. إنها حربهم.. وبلادهم وأما وجودك على أرضهم فهو موقوت ومحدود.


كان القائد العسكري يعتنق هذه الأفكار.. بل ويعمل على ترجمتها إلى أوامر تصدر إلى سائر أركان حربه وأفراد قواته.. ومن ناحيته ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ كان الرئيس بوش يبدي موافقته على طرف لسانه إزاء أهمية هذه الأفكار وفي مقدمتها أهمية كسب الناس «أهل العراق».


ومع ذلك كان بوش لا يلبث ينحني ليسأل باهتمام أشد عن الغارات التي يشنونها والعمليات العسكرية التي ينفذونها وما أكثر ما كان يمطر كيسي بأسئلة غاية في الإلحاح عن عدد من قتل ومن وقع في الأسر.


يصل المؤلف من هذا العرض إلى خلاصة في عبارات تقول: كانت مشاعر الجنرال كيسي تغلي وتفور.. وجاءت أسئلة الرئيس المتواصلة لتؤكد له أن القائد الأعلى يؤمن باستراتيجية قائمة على الاستنزاف لا تتورع عن استئصال شأفة الأشرار.. هذا رغم أن حرب فيتنام سبق وأكدت أن مثل هذه الاستراتيجية لن تصادف النجاح.


ومهما قتلوا أو اعتقلوا من أعداد المتمردين أو المعارضين أو الرافضين فلسوف يأتي من بعدهم الكثير. وفي السياق نفسه يلاحظ مؤلف الكتاب أن من قبيل التناقض صدور موافقة الرئيس بوش ومعاونيه الأقربين في مجلس وزراء الحرب بالبيت الأبيض على الخطة التي اقترحها الجنرال كيسي في العراق.


ومن عجب أن تصدر هذه الموافقة عشية سفر الرئيس إلى العراق ولقائه الذي عرضناه مع مؤلفنا على شرفة السفارة في بغداد حملت الخطة اسم «سيكريت» تأكيداً لارتفاع مستوى سريتها وانطلقت من مبدأ أساسي هو المثابرة والتحمل لأن النجاح الاستراتيجي في العراق هو الذي ينجزه العراقيون أنفسهم.


وهكذا انقسمت الخطة إلى 3 مراحل هي: الاستقرار في أوائل عام 2007، استعادة السلطة المدنية حتى منتصف عام 2008، دعم الاعتماد على النفس لغاية عام 2009. ورغم هذه الموافقة.. فقد استمر جدار من عدم الارتياح يرتفع ليفصل بين توجهات الرئيس والجنرال إلى حيث أفضى إلى النتيجة التالية بعبارات مؤلف الكتاب: مع مرور الزمن فقد كل من الطرفين في صمت ثقته في الطرف الآخر.


في هذا السياق يدخل إلى مسرح الأحداث الذي يصوره هذا الكتاب شخصية أخرى لها أبعاد فريدة كما نتصورها هي شخصية الكولونيل ديريك هارفي. كان القوم في واشنطن يطمحون إلى فهم أعمق لأبعاد الموقف في العراق.. كانت تطورات الموقف تكاد تفضي إلى ورطة سبق وأن وقعت فيها الولايات المتحدة في أدغال جنوب الشرق الآسيوي وتحمل اسم «فيتنام» التي ما برحت ندوبها وجراحاتها ماثلة في الذاكرة الأميركية المعاصرة.


لهذا نصحوا كلاً من الجنرال كيسي والرئيس بوش بأن يسمع من الكولونيل هارفي ويفيد ـ إن استطاع ـ من خبرته التي تشكلت في ربوع منطقة العراق وجيرانه على مدى 20 عاماً. هنا يوضح لنا المؤلف كيف أن هذا العسكري الأميركي الذي جمع بين شخصيتي الجندي ورجل الاستخبارات المحترف أتيح له منذ أواخر الثمانينات أن يجوب كل أنحاء العراق في سيارة أجرة يقطع فيها 500 ميل ويزور قرية من بعد قرية ويلتقي سكانها المحليين وينام على طين الأرض ويعيش أبسط الأساليب وأشدها تقشفاً.


ومن الطريف أن يصف المؤلف شخصية هارفي المذكور بأنها كانت أقرب إلى شخصية المفتش كولومبو ـ رجل التحقيقات في المسلسل التلفزيوني الشهير بمعطفه الرث وشعره غير المشذب وأسئلته التي لا تنقطع. لماذا كان هارفي ـ كولومبو المذكور مهتماً بأمر العراق إلى هذا الحد من التفاصيل والزيارات الميدانية؟


يورد المؤلف إجابة موجزة عن السؤال تقول: بعد حرب الخليج عام 1991، كانت المخابرات المركزية الأميركية تتنبأ بسقوط محتوم لصدام حسين في العراق.. في حين أن هارفي كان مصراً على أن صدام مستمر لأن أبناء طائفة السنة في العراق كانوا يعرفون أن مصائرهم مرتبطة بمصيره.



المهم أن الجنرال كيسي التقى مع هارفي وأمعن الرجلان في تأمل تطورات المؤلف في العراق. كان ذلك في أعقاب فضيحة سجن «أبو غريب» الشهيرة.. وبين وسط سحائب دخان السجائر أطلق الجنرال جملة صارت معروفة من بعد في دوائر البنتاغون والبيت الأبيض وهي: إذن فنحن في أزمة.


يوضح المؤلف أيضاً كيف أن مثل هذه الآراء كانت تجد صداها عند وزير خارجية تلك الفترة ـ الجنرال كولن باول الذي كان يؤمن بأن أهم ما ينبغي تحقيقه في العراق هو السيطرة على الأوضاع بهدف تحقيق هدف أساسي كان باول يلخصه في كلمة واحدة: الأمن.


تأتي تساؤلات وضغوط من مجلس الأمن القومي في البيت وكانت ترأسه وقتها كوندوليزا رايس لتؤكد التركيز على إنتاج بترول العراق، وإصلاح إمدادات الكهرباء اللازمة لاستمرار حياة السكان. ينضم الرئيس بوش إلى هذه الضغوط فما كان من الوزير باول إلا أن واجه جورج بوش (ص 21) قائلاً: سيادة الرئيس: البترول له أهميته.. والكهرباء مهمة بدورها.


ولكن لا شيء من هذا كله يغير الموقف.. بدون توافر الأمن.. إن الأمن هو العنصر الذي ينبغي أن يسبق كل شيء. في كل حال ظل الرئيس بوش يحاول استكشاف أبعاد الموقف ومشكلاته من مصادر وشخصيات شتى. وفيما كانت هذه الأبعاد تزداد سوءاً بدأ الكونغرس يمارس ضغوطه بهدف استعراض الموقف ومراجعة ما استجد عليه من تطورات.


ويحسب لأسلوب التناول الأميركي اهتمامه بأن تتم هذه المراجعات ـ لا من خلال أوامر رئاسية واجبة التنفيذ، ولكن من خلال تشكيل مجموعات عمل تتولى أمر الدراسة والتمحيص ويقوم على أمرها شخصيات ذات وزن تنتمي إلى كل من حزبي الحكم والمعارضة.


هكذا تشكلت لجنة دراسة أحوال العراق برئاسة اثنين من مخضرمي السياسة الأميركية: الأول هو الجمهوري جيمس بيكر وزير خارجية بوش الأب، والثاني هو الديمقراطي «لي هاملتون» رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب.


أجرت المجموعة مقابلات ميدانية ضمت العديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين المتعاملين مع الشأن العراقي.. آخر تلك المقابلات كانت مع جنرال يبلغ من العمر 53 سنة. له ملامح شاب في مقتبل العمر وسبقته شهرته كضابط على قدر كبير من الكفاءة وقد بادره واحد من أعضاء مجموعة الدراسة قائلاً: سمعنا أن الأمر يقتضي انقضاء مرحلة زمنية ما بين عامي 2009 و2013 قبل أن يصبح العراقيون مسؤولين عن أمن بلادهم.. فما رأيك؟


رد الجنرال بترايوس قائلاً: هذا هو السيناريو الأكثر تشاؤماً.. ومع ذلك لا بد من القول ان بيئة الأمن في العراق هي أصعب ما رأيت خلال 31 عاماً أمضيتها في السلك العسكري. في المقابلة نفسها ـ يضيف كتابنا ـ أكد الجنرال بترايوس على أهمية المصالحة الوطنية بين أطراف المشهد العراقي وقال: علينا أن نكفل للسُنّة سبباً يحفزهم على دعم (قيام) العراق الجديد. إن العراق يجسد تحدياً مدنياً وعسكرياً في آن معاً.


وعلى نحو ما ظل يردد الجنرال ديفيد بترايوس (ص 45) فإن قضية العراق لا يمكن أن تحل عسكرياً بل ينبغي التماس حل سياسي لها. والمشكلة أنه كان هناك في دوائر السلطة العليا في العاصمة واشنطن من كان يرى خلاف ذلك بمعنى أن في يد الحل العسكري حسم الأمور في العراق.


وهنا يعرض كتابنا أيضاً إلى آراء الجنرال كولن باول وكان وزيراً للخارجية خلال شن الحملة على العراق وقد طرح باول معظم هذه الآراء في لقاءاته مع مجموعة بيكر ـ هاملتون المكلفة بالدراسة.. وتكشف هذه الآراء عن مدى التخبط والخلافات بين بنتاغون ـ وزير الدفاع رامسفيلد وبين دبلوماسية ـ باول وبين تخبط البيت الأبيض.


ثم بين هذا كله وما شهدته الساحة الميدانية في العراق حيث بعثوا إلى هناك ـ كما أكد باول (ص 49) عناصر إما كانت غير صادقة مثل أحمد الجلبي، أو كانت غير مؤهلة مثل المجموعة التي أنهت وجود الجيش العراقي، وبجرة قلم كما يقول الجنرال كولن باول.


المؤلف في سطور


بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت. وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا.


اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .


الصفحات: 488


الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض


عرض ومناقشة: محمد الخولي


الناشر: سيمون اند شوستر


كتاب ـ الحرب الداخلية: تاريخ سري للبيت الأبيض ـ الحلقة (2)
4 مصادر أميركية تؤكد وقائع التجسس الأميركي على المالكي




يواصل المؤلف في إطار استعراضه لأسرار وخبايا عملية إدارة البيت الأبيض للأوضاع في العراق إبراز تفاصيل تكشف عن قدر من التخبط، حسبما يذهب، في التعاطي مع الأوضاع هناك، فيشير إلى كيف لقي قرار بوش التصعيد العسكري الأمريكي بالعراق معارضة من أكبر قائدين مسؤولين عن الميدان في أرض الرافدين وهما الجنرال كيسي والجنرال أبي زيد.




كما يفصح عن عمليات التجسس على حكومة المالكي قائلا أن وكالات الاستخبارات التابعة للولايات المتحدة كانت تمارس تغطية واسعة النطاق بمعنى نشاطا تجسسيا على رئيس الوزراء المالكي وأعضاء آخرين ضمن حكومته وأن مسؤولين مطلعين على عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية يعتقدون أن هذه العمليات وفرت تصورا نافذا وشفافا بشأن تصرفات نوري المالكي. كما يعرض لرؤية بوش للحرب والتي تعبر عن عقلية حاصرْهم أو اقتلْهم وهو ما شعر الجنرال كيسي قائد القوات السابق في العراق أنها تمثل تعبيرا عن سوء الفهم الأساسي من جانب الرئيس بوش للحرب الراهنة.




وينقل لنا جانبا من ملامح القلق لدى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إزاء تطورات الأوضاع حيث كانت تتصور أن بالإمكان التوصل إلى صفقة سياسية من نوع ما، صفقة تتيح لكل من الأكراد والشيعة والسنّة أن يرتضوا جميعا مكانا تحت الشمس لكن العنف الطائفي كان مسيطرا على كل شيء. يوم الثلاثاء 20 يناير عام 2007.. وسط زمهرير الشتاء كان الجنرال بترايوس يقود سيارته على الطريق السريع بمدينة لوس انجليس في طريقه إلى دار للمسنين كانت تستضيف والده البالغ من العمر 90 عاما..


وصل إلى مشارف المكان حين دق هاتفه النقال ليأتيه صوت مألوف عميق النبرات.. كان المتكلم هو «جيتس» وزير دفاع الولايات المتحدة بادره قائلا: ديفيد: أردت فقط أن أتأكد بأنك مستعد لتسلم مقاليد الأمور في العراق. من ناحيتي أنا أرغب في ذلك. هل أنت مستعد؟


يعلق بوب وودوارد مؤلف الكتاب قائلا: كان بترايوس على يقين بأن هذا العرض في الطريق إليه، لكنه ظل يسأل نفسه عما إذا كان من المناسب أن يطرح شرطا واحدا يطلب فيه من وزير الدفاع أن يستدعي من الخدمة أستاذه السابق الجنرال جاك كين ليكون بصفة مستشار عسكري مخضرم في العراق.. وبعد لحظة تفكير أقلع بترايوس عن الفكرة ليقبل العرض الجديد.


يواصل المؤلف تعليقه (ص 309): هكذا قبل الجنرال هذه الدعوة التاريخية.. كان يدرك أنه يتقبل مسؤولية العمر ليصبح القائد العام في حرب كبرى كان معظم مواطنيه «في أمريكا» قد فقدوا ثقتهم فيها. في نفس السياق يوضح لنا المؤلف كيف جاء اختيار بترايوس مرتبطا بخطاب الرئيس بوش الذي أعلن فيه قراره بالتصعيد في الجهد العسكري الأمريكي بالعراق.


ويؤكد المؤلف أن هذا القرار لاقى معارضة من أكبر قائدين مسؤولين عن الميدان في أرض الرافدين وهما الجنرال كيسي والجنرال أبي زيد.. ورغم إصرار بوش على التصعيد فقد كان الجنرال كيسي يرى أن هذا التصعيد أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى خطوة تمليها الاعتبارات العسكرية.


المهم أن جاء يوم 26 يناير فاستدعوه إلى لقاء الرئيس في المكتب البيضاوي الشهير بالبيت الأبيض. والتقى الرجلان على انفراد حيث استعرض الرئيس بإيجاز - كما يضيف كتابنا - قراره بتصعيد العمل العسكري وزيادة حجم القوات فيما أكد القائد الميداني المستجد على خطورة الأمر قائلا (ص 327):


سيادة الرئيس.. المسألة ليست هينة.. إن الأمر يحتاج إلى أن تشارك فيه حكومة الولايات المتحدة بأسرها وجيش الولايات المتحدة بأكمله. سافر بترايوس قائدا جديدا إلى العراق. وانتقل سلفه الجنرال كيسي ليصبح رئيسا لأركان القوات المسلحة في واشنطون.. وتلك ترقية فنية - تقنية كما يعبر المؤلف بمعنى نظامية أو روتينية.


ولم تمض أيام إلا واستدعى بعدها أستاذه السابق الجنرال كين ليزور العراق الذي تفقّد أبعاد الموقف في كل من بغداد والأنبار وديالي، واجتمع إلى السفير خليل زاده وسائر أعضاء السفارة وأسدى مشورته إلى مستويات القادة ابتداء من مستوى اللواء والكتيبة إلى مستوى الفصائل بل والسرايا ولم يكن في مثل هذه الأمور مشكلة.. لولا أنها جسدت في تطورها أمرا غريبا يفسره المؤلف على النحو التالي:


في 6 مارس 2007.. عاد الجنرال كين ليضع نائب الرئيس، تشيني في صورة الأوضاع، وينشئ بهذا خطا سريا خلفيا للاتصالات يبدأ من بترايوس إلى تشيني ثم إلى بوش.. وهو ما كان يشكل التفافا من خلف ظهر التسلسل القيادي المتعارف عليه في الدوائر العسكرية الأمريكية.


ويحرص مؤلف الكتاب (ص 381 وما بعدها) على استعراض تطورات الأمور بين عامي 2006 و 2007.. يقول بوب ودوارد: خلال هذه الفترة كانت وكالات الاستخبارات التابعة للولايات المتحدة تمارس تغطية واسعة النطاق (بمعنى نشاطا تجسسيا) على رئيس الوزراء المالكي وأعضاء آخرين ضمن حكومته ويعتقد مسؤولون مطلعون على عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية أن هذه العمليات وفرت تصورا نافذا وشفافا بشأن تصرفات نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي.


وفي هذا يقول أحد المصادر ذات الصلة: نحن نعرف كل ما يقوله ويقول مصدر ثان: إن المالكي ورجاله كانوا يشكّون وربما كانوا حتى يعرفون بأمر هذه المراقبة وكانوا حريصين في محادثاتهم فضلا عن اتخاذهم تدابير وقائية أخرى في هذا المضمار.


يقول هذا المصدر - حسب ما يستطرد مؤلف هذا الكتاب - إن ثمة مصادر بشرية كانت تزود كبار المسؤولين الأمريكان بكل ما يكفل أن يظلوا مطلعين باستمرار على مستجدات المواقف والخطط والمناورات والإجراءات السرية التي كان يتخذها رئيس الوزراء «العراقي» وأعضاء حكومته وأفراد آخرون في الحكومة العراقية.


وبشأن هذا التجسس على المالكي يضيف نفس المصدر قائلا «من باب الاحتراز». مع ذلك فلن يتسنى قط الحصول على صورة شفافة ذات وضوح مطلق.. ذلك أنك لن تستطيع النفاذ إلى ما يدور في دماغ إنسان وحين يتكلم فمن ذا الذي لا يشك في أنه لا يتلاعب بك.. لقد توافر لدينا كميات بغير حصر من اختراقات المعلومات.. لكن لا سبيل إلى حصرها.


ومصدر ثالث يحيل إليه مؤلف الكتاب يقول: إن التجسس على المالكي كان أكثر من عملية روتينية (بمعنى أن كان عملية أكثر من متواصلة وخاضعة للتمحيص والتحليل. بل هناك مصدر رابع يوصف بأنه أدرك حساسية المسألة فتساءل قائلا: هل كان من الأفضل ألا نفعل ذلك؟


مؤلف الكتاب طرح المسألة على هذا النحو.. وأحال إلى تلك المصادر الأربعة التي كان طبيعيا ألا يحدد أسماءها ثم اختتم هذا العرض بالسطور التالية: إن جمع المعلومات الاستخباراتية عمن يعرف بأنهم أعداء أو من يُشك في أنهم أعداء أمر له منطقه تماما. لكن التجسس على الأصدقاء والحلفاء، وخاصة في ظل ديمقراطية شابة آلت أمريكا على نفسها أن تساعدها أمر غير مسبوق بقدر ما أنه يثير كل أنواع التساؤلات.


إن وكالات المخابرات شغوفة بالنفاذ إلى دواخل الأمور ولكن مسؤولون كبار عديدون تساءلوا عما يمكن أن يفيدوه من ذلك؟ وهل كان الأمر جديرا بالمخاطرة ولم يتضح ما إذا كان هذا الأمر قد أفاد الرئيس بوش. وبقدر ما قال الجنرال بترايوس أن من المستحيل على أمريكا أن تصل إلى النصر في العراق عن طريق القتل، فربما كان مستحيلا بنفس القدر على أمريكا أن تصل إلى الاستقرار السياسي عن طريق التجسس.


وبمناسبة رئيس الوزراء العراقي.. يسجل لنا المؤلف في افتتاحية الفصل الحادي عشر من الكتاب وقائع اللقاء بين المسؤول العراقي وبين مجموعة دراسة العراق التي حملت - كما أسلفنا - اسم مجموعة بيكر - هاملتون. أعضاء المجموعة السبعة من كبار الساسة الأمريكيين هبطوا إلى مطار بغداد يوم 31 أغسطس 2007.


وسرعان ما وضعوهم على متن هليوكوبتر طارت بهم 5 دقائق إلى المنطقة الخضراء إتباعا لإجراءات الأمن يقول المؤلف: حلقوا خلال هذه الدقائق فوق مساحات من المنازل الواطئة المغبرة والبنايات المحترقة.. بينما كانت طائرات الهليوكوبتر تطلق كشافات يقصد بها اتقاء الصواريخ المحمولة على الكتف.. وفي المنطقة الخضراء.. ساقوهم إلى داخل أسطول منتظر من العربات المدرعة.


التي كان يقبع في مؤخرة كل منها مسؤول طبي: هنالك راع القادمين الجدد هذه الإجراءات الأمنية.. رغم أنها كانت مجرد روتين اعتيادي بالنسبة لمعظم مسؤولي الاحتلال الأمريكي في العراق. التقت المجموعة الأمريكية أولا مع رئيس الوزراء المالكي. دار الاجتماع في قاعة فارهة في أحد القصور السابقة لصدام حسين جلسوا إلى مقاعدهم الخشبية يحتسون الشاي.


كان المالكي محاطا بعدد كبير من مساعديه وبدأ يخاطبهم عن طريق المترجم قائلا: سيكون مفيدا بالنسبة لكم أن تعلموا أن الشعب العراقي يعيش في حرية.. ذلك كنز لن يفرط فيه العراقيون في يوم من الأيام.. لقد حققنا نجاحا.. صحيح أن هناك مشاكل لكن هذا أمر طبيعي.. وهو يحدث في كل ديمقراطية.. أضاف رئيس الوزراء المالكي قائلا: هناك تقدم.. وهذا أمر يتضح بجلاء في انخفاض عدد التفجيرات.


هنا.. نظر الضيوف الأمريكان إلى بعضهم البعض فيما واصل رئيس الوزراء الحديث: أصبح لدينا استقرار سياسي.. وبرغم مشاهد الدماء فالتقدم متواصل.. والإرهابيون اعتادوا أن يكونوا البادئ بالهجوم ولكن تغير الوضع فأصبحنا نحن من يبادر بالهجوم.


هذه العبارات - يقول المؤلف - أنتجت صريرا صدر عن المقاعد الخشبية. سألوه عن الموقف الأمني فأجاب السيد المالكي قائلا: المشكلة الحقيقية هي البعثيون - ونحن لدينا خطوات سوف نتبعها لمزيد من إضعافهم.


زادت حركة القلق فوق مقاعد الخشب. ويعلق المؤلف في نفس السياق (ص 111) يقول إن هاملتون كان مأخوذا بما يتابعه.. لقد بدا المالكي وكأنه بعيد بشكل خطير عن ملامسة ما يجري وإلا فهو ببساطة لا يريد الاعتراف بما يجري بالفعل.. بدا وكأنه مبرمج كي يقول ما يظن أن الأمريكيين يريدون أن يسمعوه.


وأخيرا طرح رئيس الوزراء سؤاله الوحيد: هل اقترب الأمريكيون - جمهوريين أو ديمقراطيين من قرار الانسحاب من العراق؟ أجاب جيمس بيكر قائلا: سوف تحصلون على السؤال يوم 7 نوفمبر. كان يقصد يوم الانتخابات الرئاسية في أمريكا.


ثم بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية .. صحيح أن هذا السياق الرئاسي بين الجمهوريين الحاكمين والديمقراطيين المعارضين، وتحديدا بين السناتور ماكين والسناتور أوباما.. سوف يحسم في ذلك اليوم، الرابع من نوفمبر من العام الحالي، إلا أن الرئيس بوش آثر أن يبدأ هذا السياق، شرع الرئيس الأمريكي في جولة عبر الولايات المختلفة يشرح فيه إنجازات إدارته ويندد في الوقت نفسه بخصومه من الحزب الديمقراطي.


في مدينة رينو - ولاية نيفادا أعلن الرئيس قائلا: إذا ما أصغيتم مليا إلى زعماء الحزب الديمقراطي لبدوا وكأنهم يتصورون أن أفضل سبيل لحماية الشعب الأمريكي هو أن ننتظر إلى أن نتعرض للهجوم مرة أخرى. يومها أضاف بوش قائلا على نحو ما يسجل الكتاب: إن ما تشاهدونه ما هو سوى بداية النصر على عقيدة يتبناها المتطرفون.


في ولاية أريزونا تناول الرئيس طبيعة الحرب التي تغيرت في رأيه عما كان عليه الحال أثناء الحرب العالمية الثانية أو الحرب الكورية في أوائل الخمسينات قال: إن هذه نوعية مختلفة من الحرب (يقصد في العراق أو أفغانستان). إنها حرب تتوقف على قدرتنا أن نعثر على الأفراد (الجناة) ونسوقهم إلى ساحة العدالة قبل أن يضربوا مرة أخرى.


هنا يعلق المؤلف قائلا (ص 162): كان هذا تعبيرا عن عقلية حاصرْهم أو اقتلْهم - وهو ما شعر الجنرال كيسي (قائد القوات السابق في العراق) أنها تمثل تعبيرا عن سوء الفهم الأساسي من جانب الرئيس بوش للحرب الراهنة.


من ناحيتها كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس تشعر بالقلق إزاء تطورات الأوضاع. يعلق المؤلف قائلا (ص 164): كانت تتصور أن بالإمكان التوصل إلى صفقة سياسية من نوع ما، صفقة تتيح لكل من الأكراد والشيعة والسنّة أن يرتضوا جميعا مكانا تحت الشمس ويتراضوا على أساس تقسيم للسلطة وللبترول والأموال.


لكن العنف الطائفي كان مسيطرا على كل شيء... عادت إلى واشنطون واجتمعت إلى الرئيس في مكتبه.. وفي حضور كل من تشيني نائب الرئيس وهادلي مستشار الأمن القومي أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية رأيها قائلة: سيادة الرئيس إن ما تقوم به ليس مجديا.


المؤلف في سطور


بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت.


وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا. اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .

كتاب - الحرب الداخلية: تاريخ سري للبيت الأبيض - الحلقة: (3)
أسرار المذكرة ذات المسارات الأربعة بشأن العراق




من خلال تناول المؤلف بوب وودوارد الذي نعرض له في هذه الحلقة يبدو غريبا تلك الروح التي كان ينشرها الرئيس الأميركي بوش بقرب النصر في العراق، فيما أن الوقائع على الأرض كانت تسير في اتجاه آخر، وهو الأمر الذي كان يلمسه كبار المقربين منه في الإدارة إلى الحد الذي دفع بنواب جمهوريين الى نصح الرئيس بتخفيف الحديث عن الفوز والانتصار في الحرب.




ويقدم لنا المؤلف ملامح المذكرة التي تقدمت بها نائب رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض وتشكلت من 4 محاور سرية ركزت خلالها على ضرورة نقل مسؤوليات الأمن إلى أيدي العراقيين وإبعاد قوات التحالف عن خط النار والعمل على كسب معركة بغداد ووضع حكومة الوحدة الوطنية على أرضية وطيدة والرهان على المالكي. ووسط غياب رؤية واضحة بشأن مفهوم الإدارة بشأن الانتصار، حسبما يوضح المؤلف، كان الارتياح بشأن التراجع أو الانسحاب وسط شد وجذب بشأن نمط التعاطي مع طرفين مؤثرين في الأزمة هما سوريا وإيران.


اثنان من الشخصيات التي لم يتم لها ذيوع الشهرة بين أفراد إدارة بوش الحالية.. ومع ذلك فأعمالهما تتجلى بوضوح عبر فصول هذا الكتاب.الحديث هنا عن ميجان أوسوليفان وزميلها ديفيد ساترفيلد.. الأولى شابة في السادسة والثلاثين تحمل الدكتوراه في علم السياسة من جامعة أكسفورد البريطانية وتشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض مع التخصص في شئون العراق وأفغانستان.


ولأنها كانت تفتقر إلى الخبرة في الشأن العسكري فقد ركزت قدراتها على كتابة دراسات وتحرير مذكرات غاية في الأهمية كما يراها مؤلف الكتاب لأنها كانت ترسم معالم الإستراتيجية الأميركية التي يجب إتباعها بالنسبة لمسرح العمليات العسكري والسياسي في العراق على وجه الخصوص.


ديفيد ساترفيلد.. رجل في مقتبل الخمسينات من العمر أمضى 26 سنة في السلك الدبلوماسي الأميركي.. يتميز عن رفاقه بأنه يجيد اللغة العربية.. كان معروفا بصراحته المستمدة من خبراته الواسعة.. وبصبره الطويل على تحمل مشاق المهام التي توكل إليه.. أطلق عليه زملاؤه وصفا مستمدا من الإنجيل وهو: أيوب السلك الدبلوماسي في أكتوبر 2006 عكفت ميجان على دراسة تطورات الأمور في العراق.


كان الرئيس بوش راغبا في أن «ننظر في المسألة ونرى إلى أين وصلنا» جمعت ميجان أوسوليفان مساعديها وأضيف إلى مجموعتها «أيوب الدبلوماسيين» ديفيد ساترفيلد.. بدأت هذه المجموعة باستعراض أهم المشاكل المطروحة في العراق وخرجت بقائمة الجرد التي يلخصها كتابنا (ص 178 وما بعدها) على النحو التالي: الافتقار إلى محور أو مركز سياسي.


النوازع والمخططات العرقية والطائفية.. السياسيون العراقيون الأفراد الراغبون في تحقيق طموحات خاصة بكل منهم.. قصور الإستراتيجية العسكرية عن وقف تيار العنف.. استحالة مواصلة الحركة على المسار السياسي مع انتشار الفوضى ضاربة أطنابها في الساحة.. بغداد التي يتغير شكلها ويتبدل طابعها بسبب الانقسامات الطائفية.. إيران بوصفها تهديدا استراتيجيا يحّوم كالشبح في أرجاء المكان، في حين لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتعامل معها على نحو كاف بسبب انشغالها بأمر العراق.


وبينما كانت هذه المجموعة تواصل التعامل مع هذه المشاكل.. كانت الوزير كوندوليزا عاكفة مع مستشارها ساترفيلد على أمر آخر يوضحه المؤلف كما يلي: خلص المسؤولان - الوزيرة والمستشار إلى أن الموقف الراهن يضر مصالح الولايات المتحدة ومكانتها في العالم.. وأنه لا يجوز لأميركا أن تسمح لنفسها بأن تظل تحت سيطرة (هاجس) العراق.. ذلك لأن الحرب في العراق - يضيف المؤلف - لم تكن في كل حال حربا قومية من أجل البقاء.. كانت حربا بالاختيار.


من الناحية الأخرى يوضح المؤلف موقف الرئيس بوش قائلا: مع ذلك واصل الرئيس النفخ في الافتراض المعاكس وظل يردد بالحرف: «إن نتيجة حرب العراق سوف تحدد مصير الملايين عبر العالم»®. وهذه العبارة بالذات رددها الرئيس بوش في كلمة ألقاها في حديقة الورود (روز غاردن) في البيت الأبيض.. ساعتها سرت موجة من التململ في أوصال أعضاء حكومته الكبار.


من ناحيتها أمضت ميجان أوسوليفان أسبوعين من اجتماعات فريقها البحثي.. جمعوا المعلومات وتدارسوا مختلف القضايا وأودعوا خلاصة دراستهم في مذكرة مطولة حملت خاتم «سري للغاية». وأوضحت الوثيقة أن أمام الولايات المتحدة 4 خيارات أساسية بشأن كيفية مواصلة الخطى في العراق كما يلي:


أولا: التكيف عن الهواجس: وهذا الخيار معناه مواصلة النهج المتبع فعلا مع تجنب إضافة المزيد من الموارد بل التركيز على نقل مسؤوليات الأمن إلى أيدي العراقيين بأسرع وقت ممكن. وتنفيذ هذا الخيار يفترض أن الإستراتيجية المعمول بها حاليا سليمة وأن مواردها كافية وأن أي تغيير جذري عليها معناه المخاطرة بالتخلي عما تحقق في الماضي من مكتسبات.


ثانيا: تحديد الأهداف: وهذا النهج معناه أبعاد قوات التحالف عن خط النار بحيث تركز القوات الأميركية على عناصر القاعدة في العراق وتترك للعراقيين أمر التعامل مع تيار العنف الطائفي. وهنا لاحظت أوسوليفان أن القاعدة تشكل تهديدا للأمن القومي لأميركا في حين أن العنف الطائفي موجه نحو الداخل (في العراق).


ومع ذلك أضافت أن الولايات المتحدة لها بالفعل مصلحة معنوية وإنسانية في تحجيم حالات العنف معربة في ذلك عن اعتقادها بأن هذا الخيار الثاني من شأنه أن يخفف من تعرض الأميركيين لتيار العنف الطائفي وأنه سيحظى في أرجح الأحوال بأكبر قدر من تأييد الحزبين (الجمهورية والديمقراطي) في أميركا.


ثالثا: نهج زيادة التصعيد: ويعني إضفاء زيادة كبيرة ملموسة في الجهود السياسية والعسكرية التي تبذلها قوى التحالف في العراق من أجل كسب «معركة بغداد» ووضع حكومة الوحدة الوطنية هناك على أرضية وطيدة. وكان من رأي صاحبة المذكرة أن على قادة أميركا تدارس هذا الخيار، وأن الجمهور الأميركي سوف يؤيده بوصفه اندفاعه أخيرة نحو النصر في العراق.


على سبيل التفصيل (ص 191) كان من ملامح هذه الخطة دفع ما يصل إلى 30 ألف من جنود الولايات المتحدة لحماية حدود العراق ولتطهير الأحياء والمواقع الجهوية والإسراع بخطى الإعمار واستهداف عناصر القاعدة وفرق الموت.


على أن مسؤولة الأمن القومي تؤكد أن هذا النهج يقتضي من الرئيس جورج بوش أن يعلن زيادة حجم القوات المسلحة.. ويغير وقت تناوب تبديل القوات ويوفد المزيد من العناصر المدنية بغية نشرها للمساعدة على التنفيذ.


في إطار هذا المسار ارتأت مساعدة الأمن القومي بالبيت الأبيض أهمية التوازي بين الموارد التي تضخها أميركا وبين الشعارات الحماسية التي ينشرها الرئيس بوش.. ومن ثم ضرورة تعظيم هذه الموارد بما يتيح لواشنطن نفوذا تؤثر به على «السلوك السياسي في العراق وفي سائر المنطقة الإقليمية» مع هذا كله فثمة مخاطر ينطوي عليها هذا المسار أو الخيار الثالث ومن بينها ما يلي:


إن قلة من العراقيين فقط هي التي طلبت المزيد من القوات الأميركية، وأن رئيس الوزراء المالكي لم يكن قد أثبت نفسه بعد بوصفه شريكا غير طائفي النزعة ويمكن الاعتماد عليه، وأن تأمين التأييد من جانب الحزبين الديمقراطي والجمهوري سيكون أمرا من الصعوبة بمكان وعلى الأرجح لن يستمر هذا التأييد - على فرص توافره - بغير إحراز تقدم سريع وملموس.


ثم أن التصعيد والتكبير في حجم القوات والمجهود الحربي بشكل عام يمكن أن يهدد طابع التطوع في السلك العسكري الأميركي. وإذا ما حدث بعد ذلك تخفيض في ذلك الحجم فقد يعاود العنف سيرته الأولى فإذا به يزيد كل ما تحقق من مكاسب.. حالات الدعم والتأييد سوى النذر اليسير لمؤازرة التزامات الولايات المتحدة في الأجل الطويل.. ومعنى هذا بغير مواربة أنها خسرت الحرب.


رابعا: الرهان على المالكي: من شأن هذا الخيار الأخير أن يعزز الإمكانات والموارد السياسية والأهلية الموضوعة بتصرف القادة العراقيين بما يتيح لهم خفض حدة العنف والتحرك نحو المصالحة. لكن هذا المسار يقتضي من المسئول العراقي - أن يقنع واشنطن أنه يشاركها رؤية عراق غير طائفي وموحد وفيدرالي وأن بإمكانه أن يجمع صفوف «أصناف المعتدلين عبر مختلف أطياف المنظور السياسي» هذا الخيار بدوره كان معناه «العمل بصورة حثيثة ولكن هادئة».


أما المخاطر فتنطوي على احتمال أن يثبت المالكي أنه طائفي إلى حد بالغ أو أن حكومته عاجزة عن أن تخطي ظاهرة الانقسامات التي تستبد بها. أخيرا اختتمت ميجان أوسوليفان مذكرتها قائلة أن خيار التصعيد (الأميركي) في العراق يمثل أفضل المسارات في المستقبل وإن كان أشدها خطرا. بيد أنها أحجمت عن اتخاذ موقف محدد في سياق المذكرة عملا بمبدأ يقول: إن القرار بيد الرئيس.


من جانبه كان الرئيس يردد دائما عبارات من قبيل: نحن لا نتكلم فقط عن حكاية النصر.. أنا أريد أن أعلن النصر.. وأعلن الفوز وأعلن النجاح. من جانبهم، كان ثمة أعضاء في الكونغرس، ومنهم جمهوريون من الحزب الحاكم يواجهون هادلي مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي قائلين:


أرجوك.. لا تتكلم عن حكاية الكسب أو الفوز. هذا الكلام يبدو مفعما بالخيلاء ممزوجا بالغرور وفرط الثقة. بل كان ثمة برلمانيون، حتى من أصدقاء الرئيس بوش شخصيا (ص 193) من خاطبوا قائلين: إن الشعب الأميركي لم يعد يصدق إننا في طريقنا إلى الفوز.. ولذلك فهم يتصورون يا سيادة الرئيس إن استمرار أحاديثك عن الفوز والانتصار إنما تعكس حقيقة إنك بعيد عن إدراك حقائق الأمور.


ولقد عادت مجموعة بيكر - هاملتون من دراستها الميدانية في العراق والمنطقة.. اجتمع أعضاؤها إلى الرئيس بوش في قاعة روزفلت: البيت الأبيض صباح 13 نوفمبر 2006.. ألحوا في سؤاله عن مفهومه للانتصار أو النجاح ولم يدل إليهم بجواب شاف على نحو ما ينقل المؤلف من واقع محضر هذا اللقاء.


في ظهر اليوم نفسه اجتمعوا إلى وزيرة الخارجية رايس.. سادت نغمة ارتياح بعض الشيء عندما تحدثت كوندوليزا عن إمكانية التراجع أو الانسحاب قليلا إلى الوراء.. حاولت أن تفسر ما قالته في العبارات التالية التي ينقلها المؤلف نصا كما يلي (ص 220):


العالم العربي يشهد الآن تعديلات وتحالفات جديدة.. هناك متطرفون بين صفوف العرب ولكن هناك معتدلون أكثر عددا. وكثير من العرب باتوا ينظرون إلى إيران على أنها مشكلة تنطوي على خطر أشد من إسرائيل.. أما سوريا فينظر إليها - في رأي الوزيرة كوندوليزا - على أنها عامل من عوامل زعزعة الاستقرار.


يعلق مؤلفنا قائلا: آراؤها هذه لم تكن لتروق لوزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر.. ولهذا مضت لحظات من عراك الشد والجذب بين الاثنين.. وخاصة عندما طرحت تحفظاتها إزاء إنشاء علاقات مع سوريا وإيران.


ويضيف المؤلف ما يلي: موقفها لم يكن محل قبول أو ارتياح لدى بيكر وعدد كبير من أعضاء مجموعة دراسة العراق، أن معظم الأطراف الأخرى كانوا قد أبلغوا أعضاء المجموعة المذكورة أن ممارسة الدبلوماسية النشطة مع سوريا وإيران أمر حيوي من أجل استتباب الاستقرار في العراق وفي الشرق الأوسط.


إضاءة


يوضح المؤلف موقف الرئيس بوش من الحرب على نحو يشير إلى طبيعة المواقف التي حكمت تطورات الموقف في العراق قائلا: كان الرئيس يردد دائما عبارات من قبيل: نحن لا نتكلم فقط عن حكاية النصر.. أنا أريد أن أعلن النصر.. وأعلن الفوز وأعلن النجاح.


من جانبهم، كان ثمة أعضاء في الكونجرس، ومنهم جمهوريون من الحزب الحاكم يواجهون هادلي مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي قائلين: أرجوك.. لا تتكلم عن حكاية الكسب أو الفوز. هذا الكلام يبدو مفعما بالخيلاء ممزوجا بالغرور وفرط الثقة.


بل كان ثمة برلمانيون، حتى من أصدقاء الرئيس بوش شخصيا (ص 193) من خاطبوا قائلين: إن الشعب الأميركي لم يعد يصدق إننا في طريقنا إلى الفوز.. ولذلك فهم يتصورون يا سيادة الرئيس إن استمرار أحاديثك عن الفوز والانتصار إنما تعكس حقيقة إنك بعيد عن إدراك حقائق الأمور.


وفي موضع آخر يضيف المؤلف: واصل الرئيس النفخ في الافتراض المعاكس وظل يردد بالحرف: «إن نتيجة حرب العراق سوف تحدد مصير الملايين عبر العالم».. وهذه العبارة بالذات رددها الرئيس بوش في كلمة ألقاها في حديقة الورود (روز جاردن) في البيت الأبيض.. ساعتها سرت موجة من التململ في أوصال أعضاء حكومته الكبار.


كتاب - الحرب الداخلية: تاريخ سري للبيت الأبيض - الحلقة: (4)
وقائع اللقاء الحافل بين كلينتون ومجموعة دراسة العراق




في هذه الحلقة من كتاب بوب وودوارد الذي أثار ضجة كبرى في الولايات المتحدة على خلفية كشفه العديد من الأسرار بشأن تعامل إدارة بوش مع الأوضاع في العراق نتابع مع المؤلف جهود مجموعة دراسة أوضاع العراق.




ونظرا لأهمية ما توصلت إليه اللجنة جراء اللقاءات التي عقدتها مع فعاليات سياسية داخلية وخارجية مختلفة الأمر الذي انعكس في توصياتها نعرض هنا لجانب من تفاصيل هذه اللقاءات خاصة ذلك الذي أجرته مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. ويبدو واضحا من خلال مواقف كلينتون التحفظات الكبيرة التي يبديها على سياسات إدارة الرئيس بوش وما أسفرت عنه من خلل إلى حد ذهب معه إلى التأكيد على أن حرب العراق تؤدي لإضعاف صورة أميركا في عيون العالم. س مع تأكيده في الوقت ذاته على ضرورة خوض حوار مباشر مع سوريا وإيران دون شروط مسبقة باعتبارهما مفتاحين أساسيين للتعاطي مع الأوضاع هناك وهو الأمر الذي انعكس بشكل كبير وملموس في توصيات المجموعة. كما يسلط المؤلف الضوء على دور الشخصية المستجدة على مسرح الأحداث الراهنة وهو مستشار الأمن القومي الحالي ستيفن هادلي الذي سلم إليه بوش مقاليد الحرب حسب رواية المؤلف.




وقائع اللقاء المهم بين : على مدار صفحات عديدة من هذا الكتاب يحرص المؤلف على تكرار الإشارة إلى أهمية التعاطي مع دمشق في إطار محاولات الإدارة الأميركية - وحلفائها في أوروبا تناول أبعاد الموقف المعقد في أرض العراق بشكل خاص وفي قضايا الشرق الأوسط الجوهرية على نحو أشمل. يتجلى هذا الجانب بالذات من خلال العرض المسهب لنشاط مجموعة دراسة العراق التي ضمت شخصيات مرموقة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي كما ترأسها - على نحو ما ألمحنا سابقا - قيادة سياسية جمهورية جيمس بيكر وقيادة سياسية ديمقراطية لي هاملتون.




في يوم 14 نوفمبر 2006 أجرت المجموعة لقاء خاصا عبر دائرة تلفزيونية مؤَّمنة مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير. يقول مؤلف كتابنا: من واشنطن سأل بيكر رئيس الوزراء البريطاني في لندن عما إذا كان يحبذ عقد مؤتمر دولي كبير آخر على غرار مؤتمر مدريد في عام 1991 الذي كان جيمس بيكر شخصيا هو مهندسه الأساسي خلال ولاية الرئيس بوش - الأب على أن يخصص المؤتمر الثاني المقترح - مثل سابقه - لبحث قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضايا الإسرائيلية - الفلسطينية. من لندن رد توني بلير قائلا: سيكون هذا أمرا عظيما.. وبقدر ما يسارع الناس إلى فهم تصميمنا على المضي قدما في هذا المجال بقدر ما يكون الأمر مفيدا.. نحن بحاجة إلى تعبير واضح وعميق عما يدفعنا من عزم وتصميم.


المقابلة الأهم في هذا السياق تمت بعد ظهر نفس اليوم 14 نوفمبر.. في الموعد المحدد تماما - جاء بيل كلينتون.. وفي اعطافه - كما يشير المؤلف (ص 225) هالة الكاريزما وعمق التأثير.. كانت مجموعة العراق قد فرغت لتوها من الحوار مع كبار مساعدي كلينتون في إدارته السابقة للشؤون الخارجية: الوزيرين وارين كريستوفر.. مادلين أولبرايت وريتشارد هولبروك مندوب أميركا لدى الأمم المتحدة. دعاهم الرئيس السابق إلى البقاء مشاركين في أطراف الحوار المرتقب فكان في ذلك تراكم في التجارب والخبرات. استهل بيل كلينتون (ص 226) الحوار قائلا: لا توجد خيارات طيبة. فإذا كنتم تريدون تغيير المسار يظل أمامكم ثلاثة مسارات للعمل.. فقد تعتمدون وجود 100 ألف جندي وقد تقررون البقاء حيث تدمى جراحاتكم حتى الموت أو أن تعيدوا توزيع القوات (لتعود إلى الوطن). فماذا عساكم فاعلون؟


رد المجتمعون قائلين: لا سيطرة لنا الآن على الموقف.. وسوف تقل سيطرتنا أكثر إذا ما خفضنا حجم القوات.. فالقوم لا يتعبون من أن يقتل بعضهم بعضا. هنالك حثهم الرئيس كلينتون على ألا يخفوا أي آثار سلبية جانبية يمكن أن تنجم عن تلك الخيارات المفروضة مؤكدا قوله ان ليس هناك حل سهل، ومضيفا ما يلي: الموقف لن يجد حلا على المدى القريب في العراق.


بعدها استرسل بيل كلينتون (ص 226) في حديث مسهب حول أفغانستان قائلا: إذا لم تتصرفوا بحزم في العراق.. فستزداد فرص ضياع أفغانستان فتصبح نتائجها كارثية على أميركا بأكثر من الأوضاع في العراق.. إن طالبان تشق مسارات جديدة.


وحليفنا في باكستان جزء من المشكلة، ولذلك فالأمر يستلزم المزيد من القوات في أفغانستان.. ولسنا نستطيع معالجة أمر أفغانستان بغير أن نغادر العراق. بعدها عمد كلينتون إلى تذكيرهم بأن الأمم المتحدة ودول العالم دعمت أميركا في أفغانستان.. ولكن لا يصدق الأمر نفسه على ما فعلته أميركا في العراق.


كان الأمر عبارة عن أداء يليق تماما بالرئيس كلينتون بمعنى أنه كان ينتقل من موضوع لموضوع وخلال الحديث التقط الرئيس السابق سيجارا غير مشتعل وظل يديره بين أصابعه حين شرع في الحديث عن الدبلوماسية. اقترح كلينتون استهلال محادثات مع إيران دون شروط مسبقة وقال: نحن يلزمنا مستشار موثوق وبعدها نبدأ الحوار مع إيران، فأنت إذا حاربت طرفا ما في يوم ما.. فالأكيد أن يتوجب عليك أن يفتح معه حوار بعد ذلك.


بعدها تحول كلينتون إلى عملية السلام بين العرب وإسرائيل فقال: بوش لم يطلب من (رئيس الوزراء الإسرائيلي) أولمرت أن يفعل أي شيء.. وهذا خطأ. وفي السنوات الأربع الأولى من هذه الإدارة مات من الإسرائيليين ومن الفلسطينيين ثلاثة أضعاف من ماتوا خلال سنوات إدارتي.. ومهما قلبنا في الأمر.. فكلما قل عدد القتلى، تخف نزعة العداء ضد أميركا.


يواصل المؤلف عرض هذا اللقاء قائلا إن الرئيس كلينتون أكد بقوة على أهمية إشراك السوريين في عملية السلام قائلا: اذهبوا إلى السوريين واسألوهم: هل تتصورون أن علاقتكم الراهنة مع العراق سوف تفيدكم؟ ثم علق كلينتون مؤكدا أن الحرب في العراق تؤدي إلى إضعاف أميركا في عيون العالم مضيفا القول ان السياسة الخارجية التي تتبعها كل من إيران وكوريا الشمالية ترمي إلى تعويق مسيرة أميركا «ما دمنا مشدودين نحن بروابط الوضع في العراق».


سؤال إلى كلينتون: ما السبيل إلى إقناع الرئيس بوش بأن يمضي على نهج مغاير وجديد؟


رد من الرئيس السابق: الرئيس بوش يؤمن إيمانا عميقا بأن العراق كان الخيار الواجب والصحيح وهو لن يتخلى عن هذه القناعة وما يتوجب عليكم أن تقولوه للرئيس بوش هو: أن التاريخ قد يبرر القرار الذي صدر بغزو العراق.. وقد يتقاتلون لسنة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو سبع سنوات - لكنهم سيرهقون في نهاية المطاف ويتوصلون إلى تسوية للأمور.


ثم تحول الرئيس كلينتون إلى موضوع آخر موضحا أنه عاد لتوه من فيتنام وقال: تأملوا ما أصبح عليه حال ذلك البلد الآن.. انظر إلى اقتصاده بعد أن أصبحت فيتنام أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل الحرب.. ولسوف تمضي من الآن 30 سنة وقد يذهب بعدها رئيس أميركي إلى العراق ليجد مكانا أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. إن على بوش أن يفكر ضمن هذا الإطار.


يعاود مؤلف الكتاب تعليقه فيقول: أبدى الرئيس كلينتون تعاطفا واضحا تجاه بوش مدافعا عن مدى إخلاص الرئيس الذي خَلفَه في البيت الأبيض وقال: سواء كان على خطأ أو صواب فإن بوش لا يتخذ قراراته بناء على اعتبارات السياسة. إنه يؤمن بتلك القرارات. «وقد نلاحظ من جانبنا عنصر الدهاء السياسي في مثل هذه العبارات التي تجعل رئيس الدولة يصدر قرارات مصيرية بمعزل عن تدارس الاعتبارات السياسية».


في كل حال يمضي كتابنا ليوضح ما يلي: إن كلينتون يحبذ انسحابا للقوات (الأميركية) من العراق ولكنه يعارض تحديد مواعيد زمنية نهائية قائلا: أنت تخسر نفوذك إذا ما تحددت لك مواعيد. ومن ثم يفضل الرئيس الأميركي السابق أن يُسحب الأفراد دون إنذار مسبق بل يفضل أكثر المبادرة فورا إلى سحب القوات وإرسالها إلى أفغانستان.


ثم يعرض لحرب أميركا في العراق قائلا (ص 227): إن الشعب الأميركي ضد هذه الحرب. والناس يظنون أنها كانت غلطة. لكنهم منقسمون بشأن ما ينبغي عمله حاليا. فالأميركان يكرهون أن يخسروا وإن كانوا يكرهون أيضاً أن يصبوا أموالا من بعد أموال ضائعة.. ولهذا أصبحنا نمضي على شفرة صراط نفساني.


هنا أيضاً يوضح المؤلف وقائع التعليقات التي تناثرت خلال هذه الجلسة المفعمة بالحيوية قال جيمس بيكر: سيادة الرئيس لقد اقتربتَ أكثر من أي طرف آخر من التعامل مع سوريا. ثم أعرب وزير الخارجية الأسبق عن اتفاقه مع ما يذهب إليه كلينتون بخصوص الحاجة إلى مواصلة الجهود الدبلوماسية بشأن القضية الفلسطينية.. خاصة وقد أضاف الرئيس الأميركي السابق قائلا: لا يفيد إسرائيل أن تكتفي بالجلوس انتظارا لطلب الأسلحة.


وعندما سألوه عن عواقب الفشل في العراق قال: من المهم أن نعلن عن انتهاجنا مسارا جديدا للعمل «وهو ما ظل الرئيس بوش عزوفا عن إعلانه» ذلك لأن أميركا باعدت بينها وبين الكثيرين في العالم.. وها نحن ندفع الثمن بينما تكرهنا جميع الأطراف.


سألوه أيضاً عن كيفية حثّ نوري المالكي رئيس وزراء العراق على المضي نحو المصالحة الوطنية. قال كلينتون: لا بد من التركيز على المضي معه أطول فترات ممكنة ومع القادة العراقيين أيضا. ومرة أخرى يعلق مؤلفنا «بوب وودوارد موضحا أن هذا هو أسلوب بيل كلينتون في العمل السياسي وليس أسلوب جورج بوش بحال من الأحوال».


أخيرا فالساعة التي كانت محددة لهذا اللقاء امتدت ساعة ونصفا دون أن يبدو على أي من الطرفين أي رغبة في إنهاء الاجتماع وخاصة الرئيس كلينتون الذي وجه كلمة أخيرة إلى أعضاء مجموعة العراق قائلا: إن الرئيس بوش والبلد يتطلعان إلى أن ترسموا نهجا جديدا للتحرك إلى الأمام. فالتكاليف فادحة إذا ما بقينا على ما نحن عليه الآن.. والمغارم جسيمة لأنها تقتضي منا الكثير من الأرواح والأموال.


وقبل أن يغادر كلينتون الاجتماع سأله صديقه المحامي الكبير فيرنون جوردان: هل تنوي التكلم مع بوش بعد إعلان التقرير؟


جاب بيل كلينتون قائلا: أفعل إذا ما كان ذلك مفيدا. نحن قد نختلف ولكن مسؤوليتنا تفرض علينا إذا اختلفنا أن نتحلى بالاحترام والدقة وليس هناك أي سياسي على قيد الحياة من الحزب الديمقراطي لا يريد للأحوال أن تتحسن في العراق.


يخرج بيل كلينتون من مقدمة مسرح الأحداث الذي ينصبه لنا مؤلف الكتاب لتدخل شخصية أخرى قد لا تسلط عليها أضواء الكاريزما التي تحيط بالرئيس الأميركي السابق.. ولكن هذه الشخصية اضطلعت وتضطلع بأدوار محورية في إدارة الرئيس بوش الحالية - وخاصة في الولاية الثانية بالذات.. لماذا؟..


لأن الولاية الأولى لبوش كانت في ظل نفوذ كارل روف مستشاره الأثير من أيام تكساس.. وهو الذي يطلق عليه محللو الشأن الرئاسي في أميركا اسم «المهندس» إذ كان مسؤولا عن إنجاح جورج دبليو بوش مرتين في سباق الرئاسة الأميركية لا عجب أن أصدر عنه مؤلفنا بوب وودوارد نفسه كتابا اختار له عنوانا يوحي بمكانة «روف» في البيت الأبيض والعنوان هو «عقل بوش».


في الولاية الأولى أيضاً كان مستشار الأمن القومي هو الدكتورة كوندوليزا رايس.. أما الشخصية المستجدة على مسرح الأحداث الراهنة فهو مستشار الأمن القومي الحالي، ستيفن هادلي. وتتضح أهميته بالنسبة لموضوع الكتاب من واقع ما سجله المؤلف (ص 320) على النحو التالي: على مدى 7 أشهر من عام 2006 أدرك الرئيس بوش أن الاستراتيجية المنبثقة في العراق لم تف بأغراضها.


ومهما حاول أن يضفي عليها لغة وصياغة إيجابية مزوقة أمام الجمهور الأميركي.. فقد كان اليقين أنه يخسر الحرب في العراق. من هنا كان مسعى بوش التماسا لاستراتيجية جديدة وهكذا جاء قراره بإسناد مسؤولية هذه الاستراتيجية إلى ستيفن هادلي مستشاره للأمن القومي.


وخلال إعداد هذا الكتاب ظل الرئيس يثني على مستشاره الأثير قائلا: عندما تكون أمامك مشكلة معقدة في مجال قضايا الأمن القومي - ما عليك سوى أن تطلق عليها هادلي. يعلق المؤلف قائلا: وهذا بالضبط ما فعله الرئيس بوش. أن القائد الأعلى للقوات (الأميركية) المسلحة قرر أن يحيل على مستشاره للأمن القومي مقاليد حرب كان الرئيس يخسرها.


المؤلف في سطور


بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت. وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا.


اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار»

كتاب - الحرب الداخلية.. تاريخ سري للبيت الأبيض - الحلقة: (5)
تحقيق النصر في العراق الهاجس الذي استبد ببوش
تأليف :بوب وودوارد



يكشف لنا المؤلف في الفصول التالية من كتابه الذي نعرض له ملامح من شعور الأميركيين على مستويات مختلفة بحجم المأزق الذي يواجهونه في العراق، على نحو تركز معه الجهد الرئيسي في كيفية الخروج منه بأدنى قدر من الخسائر.




وفي هذا الصدد يعرض لنا جانبا من لقاء عقده بوش مع السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية عبر الفيديو كونفرانس وهو اللقاء الذي أكد على صعوبة الأوضاع على الأرض ما دعا بوش إلى التأكيد على ضرورة العمل على تهيئة الظروف لإنجاح جهود المالكي للإمساك بزمام الأمور الأمر الذي كان لرايس رؤية مختلفة بشأنه على نحو ما نتابع في السطور المقبلة. من الغريب حسب سياق الكتاب، أنه رغم هذه الصورة بالغة القتامة أن الرئيس بوش كان يركز على سرعة تحقيق النصر في العراق الأمر الذي بدأ بمثابة حلم للكثيرين من الأميركيين وهو ما يظهر واضحا في رد فعل مجموعات من الموفدين تحت شعار الإعمار إلى العراق وكذا بعض الدبلوماسيين.




41 فصلاً يضمها هذا الكتاب بخلاف الخاتمة. الفصل السابع والعشرون بالذات ينقل القارئ مباشرة إلى الوضع الداخلي في أرض العراق. يبدأ المؤلف سطور الفصل بالإشارة إلى اجتماع عن طريق الفيديو (الذي تتولى الاستخبارات تأمينه) تم في 14 ديسمبر 2006 ويضم الاجتماع طرفين من العراق هما زلماي خليل زاده السفير الأميركي في بغداد والجنرال كيسي وكان يتولى منصب قائد القوات الأميركية الميداني في العراق. قال الجنرال والسفير أنهما يتوقعان أن يطلب المالكي، رئيس وزراء العراق، زيادة القوات الأميركية العاملة في العراق وخاصة من عناصر القوات الخاصة. ومن واشنطن جاء صوت الرئيس بوش في مجلس الأمن القومي يسأل عبر اجتماع الفيديو: أليس من بنود الاتفاق أن يتحرك المالكي لمطاردة مقتدى الصدر. الأمر يقتضي منه ذلك بل أن يعلنه للآخرين.




رد المسؤولان من بغداد: لا يا سيادة الرئيس المالكي يقول انه يتحرك لمطاردة الميليشيات والخارجين على القانون.. (ومعنى هذا) أنه لن يخص الصدر وحده بالمطاردة فما بالك والصدر له وزراء في التشكيلة الوزارية وكان مشاركا في حوار مع المالكي شخصياً. يعلق مؤلف الكتاب قائلاً (ص 270): كان الصدر وجيش المهدي التابع له في غاية القوة، لكن المالكي كان سيطارد الجيش المذكور تحت شعار أنه يطارد الميليشيات. وهذا من شأنه أيضاً أن يتيح لأميركا نفسها أن تلاحق جيش المهدي والميليشيات على السواء.


عاود الرئيس بوش أسئلته: كيف سيختلف هذا الوضع عما نحن فيه الآن؟


أجاب الجنرال كيسي: الفرق هو أن ننفِّذ خطة عمليات في إطار جدول زمني محدد ومن جانبه سيعلن المالكي في يوم 18 ديسمبر تاريخا محددا إذا لم تلتزم فيه الميليشيات بعدم حمل السلاح وإيقاف ممارسة العنف ضد المدنيين وقبول خطة نزع الأسلحة وتسريح المقاتلين، فحينئذ تنفذ عملية مشتركة في يناير نعكف من الآن على التخطيط لها.


وتمضي وقائع الاجتماع المشترك بين مجلس الأمن القومي في واشنطن وبين السفير والقائد العسكري الأميركي في بغداد.. ويلاحظ بالطبع أن المؤلف يحيل في سرد وقائع الاجتماع إلى نص محاضر مثل هذه الاجتماعات الرئاسية المسجلة صوتا وصورة ويحفظها أرشيف الدولة الرسمية كوثائق تسجل الوقائع والمواقف المختلفة.. ولهذا فهو يلجأ إلى علامات التنصيص التي تدل على أنه ينقل حرفيا ما تفوه به هذا المسؤول أو ذاك الجنرال خلال سير الاجتماع.


يعود المؤلف في نفس السياق ليسجل سؤال الرئيس بوش: ماذا لو أحجم جيش المهدي عن شنّ القتال؟


ماذا لو اتبعوا نموذج حزب الله (اللبناني) في إعلان معارضة الحكومة. نحن لا نريد أن تتولى قواتنا مهام مكافحة الشغب «بمعنى مهام الشرطة» تلك مهمة العراقيين.. وماذا أيضاً لو عمدوا إلى التواري أصلا عن الأنظار.. ساعتها تعلن قائمة مطلوبين (للعدالة) ولكن كيف يتيسر لك أن تحارب جماعات غير نظامية متواجدة هنا وهناك؟


من بغداد رد الجنرال كيسي قائلا: سوف نستعيد سيطرة العراقيين على مدينة الصدر وسوف يتضح بجلاء أمر الذين يخالفون القانون.. (بمعنى) أنك حين ترى قوما يحملون السلاح تقبض عليهم. هنا قال مستشار الأمن القومي هادلي ان الأمر سيكون محك اختبار كبير لرئيس الوزراء المالكي وخاصة إذا ما نفذ إلى أعماق مدينة الصدر وهي المعقل الأساسي لجيش المهدي.


قال الرئيس بوش: حسنا، لو دخلنا مدينة الصدر. فمن الذي سيدخلها من صفوفنا؟ وكيف؟ وهل لدينا ما يكفي من القوات لهذه العملية؟ إننا لن ندخلها لنبقى فيها. فمن سيبقى فيها.. نحن؟ أم العراقيون؟


عند هذا المنعطف من العرض يوضح المؤلف أن الرئيس بوش ظل في حال من التركيز إلى حد التثبيت كما نتصور على حكاية مدينة الصدر من أحياء بغداد.. لهذا ظل يطرح تساؤلاته على التوالي: من سيرابط بعد أن ندخل المدينة. هل هي القوات العراقية؟ أم الشرطة.. أم الجيش؟


كانت الإجابة أن الذي سيرابط في المدينة خليط من القوات الشرطة العراقية الوطنية والمحلية. بعدها ظل الرئيس يركز على أهمية النجاح وأهمية الإنجاز بنسبة مئة في المئة.. وضرورة أن تتخذ الاستعدادات من أجل إنجاز له طابع دراماتيكي غاية في الإثارة.


كان الرئيس على نحو ما يوضح سير هذا الاجتماع مؤيدا كل التأييد لنوري المالكي.. لكن وزيرة خارجيته كوندوليزا لم تكن من هذا الرأي ولهذا بادرت تقول:


- المسألة هنا لا تقتصر على نوري المالكي. وعلينا أن نتذكر أن القضية لا تتعلق برجل واحد بل علينا أن نخاطب منظومة الاعتدال «في العراق» بأكملها قائلين إذا لم تكونوا على استعداد لملاحقة المتطرفين، فلسوف نترككم بينما يحارب بعضكم بعضا ونمضي نحن إلى ملاحقة القاعدة وتأمين الحدود. من هنا إذا كنتم على استعداد للعمل ساعدناكم.. وإذا تقاعستم فلسوف نمضي لنحمي مصالحنا.


ما هي إذن هذه المصالح الأميركية؟


أجابت رايس على سبيل التعريف أنها تشمل الحيلولة بين العراق وبين أن تتداعى أركانه إلى أجزاء متناثرة، وهي أيضاً مواصلة حرب أميركا ضد القاعدة. هنا أيضاً يضم محضر الاجتماع عبارات لواحد من المجتمعين تلفت النظر إلى ما اطلعوا عليه من تقارير حساسة للاستخبارات وهي توضح أن قوات الأمن العراقية لم تكن على مستوى المهمة التي تؤهلها للاضطلاع بمسؤولية وقف العنف الطائفي.


من ناحيته علق الرئيس بوش موضحا أن المالكي كثيرا ما شكا - ومعه الحق - من مستوى المعدات التي أتيحت للجيش العراقي وفي هذا قال المالكي للأميركان: أنتم تتعاملون مع المدرعات والدبابات ونحن لا نتعامل سوى مع الشاحنات الصغيرة - ونحن نواجه أشرارا مزودين بقاذفات صاروخية بينما لا يملك جيشنا سوى مدافع كلاشنكوف.


بعدها تساءل الرئيس بوش معلقا: وإذن فكيف لجيش أن يبعث الخوف في النفوس بينما يتشابه مع الميليشيات التي يتصدى لقتالها؟ وعليه، فلا بد أن نبلغ المالكي أننا سنعطي لجيشه معدات كثيرة. وقال ديك تشيني: المداخلة الوحيدة التي أوردها كتابنا - من واقع محضر هذا الاجتماع للسيد تشيني قال فيها نائب الرئيس الأميركي ما يلي (ص 274): نحن بحاجة إلى ردع كل من إيران وسورية.. وهذا أمر مهم لا بالنسبة للعراق وحده ولكن بالنسبة للمنطقة وللبنان أيضا.


في كل حال ظل الهاجس الذي يلح دوما على خاطر الرئيس بوش هو تحقيق شيء إيجابي.. بمعنى تحقيق فوز أو انتصار في العراق. عبر الرئيس عن هذا المعنى بالذات في لقاء صباحي جمعه في وزارة الخارجية مع مجموعات من المدنيين الموفدين تحت شعار الإعمار إلى العراق. قال الرئيس بوش: أريد أن أعرف كيف نفوز؟ سرت همهمة بين الدبلوماسيين الحاضرين بينما قال واحد منهم: يا إلهي.. عم يتحدث؟ وكأنما كان يتكلم بلسانهم جميعا حيث تساءلوا: إلى هذا الحد كان الرئيس بعيد الصلة عما يجري في أرض الواقع؟


كان الرئيس بوش يخطط لإلقاء خطاب إلى الأمة حول استراتيجية جديدة في العراق. تعمد تأجيل هذا الخطاب إلى أن يتم إبعاد رامسفيلد وزير الدفاع وتسمية وزير دفاع جديد هو روبرت جيتس. وكان ذلك يوم 18 ديسمبر عام 2006.


في هذه الأيام الباردة من أواخر ديسمبر.. وبينما كان عيد الكريسماس يقترب كانت واشنطن تستعد لتصعيد الموقف في العراق بإضافة المزيد من القوات وإنفاق المزيد من الأموال وإتاحة المزيد من الأسلحة، ارتقابا لإذاعة المزيد من أخبار تعكس روحا إيجابية وقد تجدد أو تستعيد ثقة الرأي العام في حسن تقدير الإدارة الحاكمة لعواقب الأمور.


في 15 ديسمبر تمت المحادثة عبر الدائرة التليفزيونية المؤمَّنة.. طلب الرئيس بوش من رئيس الوزراء العراقي أن يوافق على زيادة حجم القوات الأميركية العاملة في العراق. قال بوش مخاطبا المالكي:


- انظر إلى قواتنا المتحالفة على أنها قوات تستطيع مساعدتك على إنجاز المشاق ريثما يكتمل لقواتك استعدادها. استخدم قواتنا لإشاعة الهدوء في بغداد. ذكر المالكي (ص 291) أنه سوف يخاطب مؤتمرا للمصالحة الوطنية في اليوم التالي وسوف يعلن موافقته على رؤوس الأشهاد.


ومن عجب - يلاحظ مؤلف الكتاب (نفس الصفحة) أنه عندما وصلت في اليوم التالي ترجمة نص خطاب المالكي إلى المؤتمر المذكور لم يرد في الخطاب أي ذكر للموافقة. لهذا استشاط الرئيس بوش غضبا.


وجاءت تقارير الاستخبارات لتفيد بأن المالكي كان قد فقد الثقة في قوات الولايات المتحدة - فهي لم تستطع حل مشكلة العنف.. وفي هذا كان المالكي يقول: ما حاجتي إذن إلى المزيد من قوات عديمة الكفاءة.. وهي التي سوف تسبب لي مزيدا من المشكلات؟


وعندما جاء يوم 19 ديسمبر كان وزير الدفاع الجديد جيتس يداوم لأول مرة في مكتبه.. وكان في مقدمة الإجراءات التي اتخذها استدعاء الجنرال ديفيد بتراوس لمقابلته في مكتبه الجديد.. كان الوزير قد قرر السفر إلى العراق في مساء اليوم نفسه.. ودار بين الوزير والجنرال الحوار:


- مرحبا يا جنرال.. أنا ذاهب إلى العراق.. فماذا يجب أن أشاهده هناك؟


- هل الاستراتيجية (الجديدة فعالة؟


وكان يقصد أن يعاين الوزير على أرض الواقع مدى ما حققته استراتيجية التصعيد.. في بغداد اجتمع الوزير المستجد إلى الجنرال كيسي الذي أمضى 30 شهرا قائدا للقوات الأميركية بالعراق - شهدت كما رأينا في حلقات سابقة خلافات شديدة بينه وبين القائد الأعلى - الرئيس جورج بوش.. كانت واشنطن قد قررت إزاحة كيسي من الصورة من خلال تكريمه وتعيينه في منصب رئيس الأركان. فهم كيسي مغزى البادرة.. وشكر «هذه الثقة الغالية» التي أعفته من موقعه بالعراق.


سأله الوزير جيتس: ترى من يخلفك في المنصب؟


- بترايوس.. وإذا كان هناك فرد قادر على أن ينظر إلى الأمور بشكل مختلف فهو بترايوس. أخيرا يقول مؤلف الكتاب: في أول مؤتمر صحافي يعقده وزير الدفاع الجديد في ساحة مفتوحة بالعراق.. دارت في خلفية المكان معركة بطلقات الرصاص.. هتف الوزير في سخرية ممرورة «اللعنة.. هذا مسلّ للغاية. كان يدرك أن الولايات المتحدة تواجه مأزقا خطيرا في أرض العراق.


إضاءة


يورد المؤلف نصا تسجيليا لمضمون لقاء دار بين بوش ومسؤوليه في العراق يشير من خلاله إلى التقييم الحقيقي للموقف الأمر الذي بدأ الرئيس الأميركي رافضا الإقرار به. وفي ذلك قال الجنرال كيسي والسفير زاده أنهما يتوقعان أن يطلب المالكي، رئيس وزراء العراق، زيادة القوات الأميركية العاملة في العراق وخاصة من عناصر القوات الخاصة.


ومن واشنطن جاء صوت الرئيس بوش في مجلس الأمن القومي يسأل عبر اجتماع الفيديو:أليس من بنود الاتفاق أن يتحرك المالكي لمطاردة مقتدى الصدر. الأمر يقتضي منه ذلك بل أن يعلنه للآخرين. رد المسؤولان من بغداد: لا يا سيادة الرئيس المالكي يقول انه يتحرك لمطاردة الميليشيات والخارجين على القانون.. (ومعنى هذا) أنه لن يخص الصدر وحده بالمطاردة فما بالك والصدر له وزراء في التشكيلة الوزارية وكان مشاركا في حوار مع المالكي شخصيا.


يعلق مؤلف الكتاب قائلا (ص 270): كان الصدر وجيش المهدي التابع له في غاية القوة، لكن المالكي كان سيطارد الجيش المذكور تحت شعار أنه يطارد الميليشيات. وهذا من شأنه أيضاً أن يتيح لأميركا نفسها أن تلاحق جيش المهدي والميليشيات على السواء.


كتاب - الحرب الداخلية: تاريخ سري للبيت الأبيض - الحلقة: (الأخيرة)
2500 خبير أميركي بالبنتاغون والخارجية في بغداد




يختتم المؤلف كتابه بما يمكن اعتباره جردة تفصيلية لفترة حكم الرئيس بوش وما سيتركه للوافد الجديد إلى البيت الأبيض أيا كان سواء باراك اوباما أو جون ماكين. وفي هذا الخصوص ومن واقع لقاءاته المتعددة مع الرئيس الأميركي يذكر المؤلف أن بوش لم يكن صريحا بما فيه الكفاية بشأن التكاليف والوقت والتحديات التي تفرضها حرب العراق، مؤكدا أن الولايات المتحدة أصابتها أضرار في المنطقة ولكن القاعدة أصابتها أضرار أفدح.




ويقرر أن الرئيس في لقاءاته الأخيرة معه بدا وكأنه بات مدركا لضآلة ما كان يمكن أن ينجزه من تغيير في الأشهر الثمانية المتبقية من ولايته الأخيرة. ويضيف المؤلف في مجال استعراض المستقبل: سيخطو هذا الرئيس على عتبة المكتب البيضاوي يوم 20 يناير 2009 ليجد أمامه خارطة طريق شديدة الوعورة في مقدمتها وجود أكبر جيش بري لأميركا مرابط خارج حدودها وفي منطقة الشرق الأوسط الحافلة بشتى الاحتمالات، مضيفا أنه لدى استعراضه التركة التي ورثها فإنه لن يكون سعيدا بحال إزاء ما خلفه سابقوه. في الفصل الختامي من كتابه.. يسجل المؤلف، بوب ودوارد رأي الجنرال بترايوس الذي ظل قائدا ميدانيا لقوات التحالف في العراق حتى منتصف سبتمبر 2008.




وبعدها تولى المسئولية الجنرال رايموند أوديرنغ يقول بترايوس: أي نجاحات تتحقق في العراق تتسم بأنها هشة وقابلة للتراجع. ويعلق المؤلف قائلا: إن محصلة حرب العراق. وهي الآن تجتاز عامها السادس ما زالت أمرا محفوفا بالشكوك. هل انخفض العنف حقا؟ مع هذا يعرض ودوارد إلى ما يراه إيجابيات تحققت في الميدان العراقي ويضرب لذلك مثلا من واقع انخفاض حوادث تفجير السيارات من 130 حادثة في مارس عام 2007 إلى 30 حادثة في مايو 2008 وإن كان يضيف متحفظا أن العدد ما زال كبيرا.. ويلاحظ أيضا - ص 426- أن مستوى العنف انخفض وخاصة من جانب جيش المهدي.


وأن إيران، في نظر الاستخبارات الأميركية بدت وكأنها عنصر غير مقبول في ساحة العراق حيث تدل استطلاعات للرأي على أن نسبة تتراوح بين 65 و 70 في المئة من العراقيين تنظر إلى إيران في إطار سلبي. يحيل المؤلف في هذا السياق إلى ديريك هارفي خبير الاستخبارات العسكرية الأميركية الذي يرى أن ثمة جوا من الإرهاق يسود أرجاء العراق وأن أعدادا متزايدة من مواطنيه استبد بها التعب والإجهاد بعد خمس سنوات من الحرب.


لكن المؤلف يعترف أيضا مع رجل الاستخبارات المذكور بأن مشاعر معاداة أميركا ما زالت متقدة.. والشكوك التي تراود الناس إزاء نواياها ومخططاتها ما زالت على حالها.. حتى برغم ما لوحظ من انخفاض كبير في تأييد تنظيم القاعدة وفي هذا السياق أيضا يضيف الخبير الاستخبارات الأميركي قائلا: إن الولايات المتحدة أصابتها أضرار في المنطقة ولكن القاعدة أصابتها أضرار أفدح.


ومن ثم يتصور أن بالإمكان أن يتحول منشقو العراق إلى حالة أقرب إلى وضع الجيش الجمهوري الأيرلندي بمعنى القدرة على تدبير تفجيرات في المدن ولكن مع العجز عن أن يصيبوا بالشلل الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية.


يعرض المؤلف لهذه الآراء والتصورات في ضوء ما هو متوقع من تغييرات يمكن أن تكون جذرية أو واسعة النطاق بعد الانتخابات المقرر أن يشهدها العراق في نهاية عام 2008. مع هذا كله يحذر المؤلف من أن يشهد الوضع أحداثا خطيرة تقع على غير انتظار ومنها مثلا حوادث اغتيال يقع ضحيتها مسؤولون عراقيون كبار أو يتعرض لها الأميركيون بأعداد كثيفة سواء في القواعد الأميركية أو حتى في المنطقة الخضراء نفسها.


هنا يتصور الخبير الأميركي أنه ما زال يتعين إنجاز مهمة بالغة الخطر والخطورة وهي مهمة إعادة بناء المجتمعات المحلية في العراق وهزيمة العناصر المعادية معترفا في هذا السياق بأنها مهمة جسيمة وأبعد ما تكون عن الإنجاز أو الاكتمال..فالحياة في بلاد الرافدين ما زالت بعيدة بدورها عن أن تكون اعتيادية أو طبيعية.


ويوضح المؤلف أيضا أن أهم دائرتين في الحكومة العراقية وهما وزارتا الداخلية والدفاع تضمان 2500 من المستشارين الأميركان «الذين يمسكون في أيديهم مقاليد الأمور» وحين يتطلع الخبير المذكور إلى الساحة الدولية الأوسع والأبعد.


يشير إلى أطراف عالمية مثل الهند والصين وروسيا وإلى شركاء الولايات المتحدة في أوروبا يقصد الاتحاد الأوروبي قائلا: إنهم يبلعون ريقهم ارتياحا إزاء ما بدا وكأنه إجهاد أميركا وتصاعد التزاماتها في العراق.. وهذه الأقطار تبدو متلهفة نحو استغلال الفرص في الشرق الأوسط الغني بالبترول.. بل تتطلع إلى المزيد من أضعاف أميركا في العالم.


ينقلنا المؤلف مع الصفحات الأخيرة إلى ما نشرته الواشنطن بوست يوم 14 يونيه عام 2008 على صدر صفحتها الأولى حيث قالت: الزعماء العراقيون الكبار يتسببون في نكسات للولايات المتحدة. وجاء في التفاصيل أن رئيس الوزراء العراقي أعلن يومها أن المفاوضات بين الطرفين قد وصلت إلى طريق مسدود.. وأن مقتدى الصدر يعمل على تشكيل وحدة شبة عسكرية لمهاجمة القوات الأميركية.


ويعلق ديريك هارفي على هذه الأنباء قائلا: حتى ولو انتهى الأمر في العراق على ما يرام فلن تؤدي هذه النتيجة إلى إنقاذ تاريخ الرئيس بوش.. وهنا يضيف المؤلف من جانبه: على مدار السنوات من عام 2003 إلى عام 2006 لم يكن الرئيس بوش صريحا بشأن التكاليف والوقت والتحديات التي واجهت أميركا في حرب العراق وفيما كان ينتقل أكثر من مرة بين واشنطون وبغداد كان يثير تساؤلات من قبيل: ترى ماذا كان يراه الرئيس في الواقع؟ ولماذا استغرق الأمر طويلا حتى يفهم ما كان يدور؟


الصفحات العشر الأخيرة من هذا الكتاب الحافل تحمل في سطورها تأملات من جانب المؤلف وكأنما كان يبوح لقارئه بخواطره أو هواجسه وخاصة وأن هذا الكتاب يشكل الحلقة الأخيرة في الرباعية التي نذر لها نفسه لكي يكتبها عن رئاسة جورج بوش من هواجس المؤلف مثلا السؤال المركب التالي: هل أحسن جورج بوش اختيار القرار السليم؟ وهل جاءت خياراته في الوقت المناسب؟ وهل كانت إدارة بوش مجالا لمحاسبة المسؤولين عما قرروه أو نفذوه؟


هذه التساؤلات - طرحها في الكتاب الذي سبق أن أصدره عام 2002 بعنوان «بوش في حالة الحرب» ودارت معظم مقولات هذا الكتاب حول ملابسات الأشهر التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. يومها أوضح ودوارد أنه أجرى مقابلته الصحافية الأولى مع الرئيس الأميركي يوم 20 ديسمبر عام 2001: كان بوش في الخامسة والخمسين.


منطلقا بقوة اندفاع وما أسرع ما أمر بصور فوتوغرافية لزعماء تنظيم القاعدة وطرحها أمام ضيفه الصحافي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض وعمد إلى كل صورة يضع على سطحها علامة (*) كبيرة دليلا على مصير القتل أو الأسر لصاحبها..


هنا يعلق مؤلفنا قائلا: كانت لديه أهداف عظمى مؤداها كما قال إننا سوف نستأصل شأفة الإرهاب في كل مكان.. أما في الداخل فإن مهمة الرئيس هي أن يوحّد صفوف الأمة. يرصد المؤلف أيضا كيف تحدث الرئيس بوش عن نوازعه الغريزية وكرر عشرات المرات الحديث عن إجراءاته العفوية المدفوعة بالغريزة.


ثم يقول المؤلف: بعد صدور الكتاب جاءت كتابات المعلقين والمحللين فرسمت للرئيس بوش صورة قائد قوي ملهم.. لكن كتابي أوضح من ناحية أخرى أنه لا يريد الانخراط في حوار كامل مفتوح بحيث يتدارس المشاكل المحتملة وينظر في أمر الخيارات البديلة... إن نوازعه الغريزية تكاد تمثل ديانته الثانية.


الخطورة أيضا أن الرئيس بوش أوضح بجلاء أنه لا يهتم كثيرا بالدبلوماسية.. لدرجة أن وصفه الناس بأنه انفرادي النزعة بمعنى التصرف من جانب واحد. وفي رباعية المؤلف.. كتاب آخر بعنوان «خطة الهجوم» لاحظ فيه بوب ودوارد أن الاجتماعات التي كان يعقدها الرئيس بوش مع وزير دفاعه رامسفيلد ومع رئيس أركان القوات المسلحة قبيل حرب العراق كانت تجيب على سؤال محوري واحد هو: كيف نخوض الحرب؟


ولم يحدث أن ناقشوا مسألة ما إذا كنا نخوض الحرب أصلا أو لا نخوضها..ومرة أخرى يضيف المؤلف قائلا: لم يراودني الشك يوما في إخلاص الرئيس بوش لقناعاته بيد أن القناعات وحدها لا تكفي.. فقرار خوض الحرب قرار هائل فما بالك بقرار خوضها منفردين.. إنه هول مضاعف وينطوي من ثم على قدر فادح من المسئولية.


ويبين أنه عرض هذه الأوضاع في كتابه الثالث من الرباعية إياها بعنوان «حالة إنكار» الصادر في سبتمبر عام 2006 وجاء سطره الأخير في العبارات التالية: لم يبلغ الرئيس الجمهور الأميركي بالحقيقة التي آلت إليها الأمور في العراق. بل يضيف المؤلف أن المسألة كانت أخطر من مجرد الإنكار بكثير.


إن البحوث والاستعدادات التي اتخذها المؤلف لتأليف كتابنا اقتضت بداهة عقد أكثر من لقاء مع الرئيس بوش اجتمع إليه مؤلفنا في مكتبه بالبيت الأبيض وفي مزرعته في كراوفورد ـ تكساس.. بلغ الرئيس الحادي والستين وبدت معالم الإرهاق على وجهه إلى جانب تغييرات الزمن.


ورمادية الشعر وخطوط التجاعيد. بل تعدت التغيرات إلى استخدام التعابير والألفاظ.. كان دائما يتحدث عن «النصر في العراق.. استعاض عنها بحديث عن «النجاح» معبرا عن تراجع دقيق وحثيث ولكنه واضح ومفهوم، خاصة وأن أميركا تضع على أرض العراق حشدا من جنودها وصل عددهم في أوائل صيف عام 2008 إلى 140 ألف جندي.


يقول المؤلف: في آخر لقاءاتنا ساد جو من الرضوخ أو الاستسلام للمقادير وكأن الرئيس بات مدركا لضآلة ما كان يمكن أن ينجزه من تغيير في الأشهر الثمانية المتبقية من ولايته الأخيرة.. كان يطمح ـ كما سبق وأن قال إلى توحيد الأمة ولكنه لم يوحدها بل أضاف إلى انقساماتها بل كان بوش ذاته أكثر شخصية تجسد هذا الانقسام. وها هو يعترف بأنه فشل في تغيير النغمة السائدة في واشنطون ولم يتوصل إلى أي انتصار في الحربين اللتين خاضهما «أفغانستان والعراق».


بعد هذا كله يتطلع مؤلف الكتاب إلى المستقبل.. إلى الرئاسة المقبلة وشيكا للولايات المتحدة وفي حديث مع الإذاعة القومية الأميركية «صباح الاثنين 15 سبتمبر» قال بوب وودوارد إن الرئيس الأميركي المرتقب ـ ديمقراطيا كان أم جمهوريا ـ سوف يجد أمامه «خارطة طريق شديدة الوعورة» في مقدمتها وجود أكبر جيش بري لأميركا مرابط خارج حدودها وفي منطقة الشرق الأوسط الحافلة بشتى الاحتمالات.


وعلى الصفحة الأخيرة يستعرض المؤلف شبكة المشاكل المعقدة التي سيواجهها رئيس أميركا الجديد ثم يضيف في آخر السطور قائلا: سيخطو هذا الرئيس على عتبة المكتب البيضاوي يوم 20 يناير 2009.. يستعرض التركة التي ورثها وأتصور أنه لن يكون سعيدا بحال إزاء ما خلفه سابقوه.



المؤلف في سطور


بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت.


وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا. اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .





2008-09-28 20:58:56