أرسل لنا مقال للنشر
أرسل لنا معلومات مدينة للنشر
أرسل لنا معلومات قرية للنشر
أرسل لنا معلومات مخيم للنشر
أرسل لنا كاريكاتير للنشر
أرسل لنا شخصية للنشر
أرسل لنا احداث للنشر
يديعوت أحرنوت: مصر تسعى لوضع الصيغة النهائية لصفقة تبادل الأسرى مع حماس في نوفمبر القادم
هآرتس: أولمرت عرض على أبو مازن عودة 20 ألف لاجئ على 10 سنوات- عبد ربه يؤكد رفض الفلسطينيين- ومكتب أولمرت ينفي
الأردن يمنع إدخال رموز يهودية لأراضيه
اخطار محدقة / بقلم: موشيه آرنس / هآرتس
نذهب جانبا ونطلق عليه مطاطا؟ / هآرتس
طيور الأبابيل / الشاعر والكاتب الفلسطيني / منذر بهاني
حجاب الشمس / الشاعر والكاتب الفلسطيني / منذر بهاني
موسيقا الإنتفاضتين... للشاعر: محمد محمد السنباطي
بلوط فلسطين ...!؟محمود درويش وداعاً... بقلم :إكرام الزرو التميمي
بعد غياب محمود درويش/شعر لطفي الياسيني
صقر القاسم (ما تعرض له مازن حسين لن يمر بدون حساب)
صخر بسيسو
الدكتور سلام فياض

|
صوت فلسطين إذاعة تتحدى الحصار والتجريف ــــــــــــــــــــــــــــــ د. حسين أبو شنب*
|
|
مقدمةربما غاب عن بعضنا المعنى الحقيقي لإقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على قصف إذاعة صوت فلسطين في رام الله يوم الخميس الموافق 13/12/2001 بالمروحيات أمريكية الصنع وقاذفات "F-16" الأمريكية أيضاً ثم إرسال الجرافات العملاقة لتدميرها وتجريفها واقتلاع شبكة الإرسال التاريخية، في ذات اليوم الذي أقدمت فيه هذه المروحيات والطائرات والدبابات كذلك على اقتراف فعلتها الشنعاء في قصف وتدمير مراكز الشرطة والأمن العام المحيطة بمقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله وعلى بعد أمتار قليلة، وهو مالا يمكن فهمه وتفسيره في إطار المنطق والقانون والاتفاقات والمعاهدات الدولية، وربما يكون وقع بعضنا في خطأ التصديق بأن ذلك جاء في إطار القصف العشوائي وغير المقصود أو في إطار الملاحقة والمتابعة لرجال المقاومة والانتفاضة، أو أنه جاء في إطار الضغط العسكري لتحقيق الهدف النفسي وسياسة الحرب النفسية والتأثير في البناء الذاتي للشخصية الفلسطينية والإضعاف المعنوي للشخصية القيادية الفلسطينية وفي المقدمة بالطبع ياسر عرفات. ـــــــــــــ عميد كلية الإعلام - جامعة الأقصى هذه الأمور وغيرها صحيح من حيث الواقع المعاش والمنظور ويحدث في الحروب المختلفة، المحدودة وغير المحدودة في منطقتنا العربية والإقليمية وفي المناطق الدولية الأخرى، غير أن ذلك لا يفي لتفسير هذه السياسة الإسرائيلية الحمقاء من حيث الممارسة على أرض الواقع والهادفة من حيث التنازع التاريخي والصراع الممتد، وذلك ما نرغب في توضيحه في هذه المعالجة كي نضع تصوراً لمحاولة الفهم الحقيقي لما يجري على الأرض الفلسطينية، لعلنا في ذلك نوسع دائرة الوعي في الصراع بعيداً عن ممارسات الرسمية العربية والمصالح الدولية، والتي ترى في المصطلحات السياسية والإعلامية الإسرائيلية المبثوثة في وسائل الإعلام والتخاطب المعلوماتي برامج للتفاهم والتفاوض المرحلي غير المحدد وغير الواضح والذي يمكن أن نسميه التفاوض الهلامي المريح من حيث الشكل والذي قد يخفف بعض المعاناة اليومية للإنسان الفلسطيني والعربي معه وذلك بالطبع مطلوب ومحبوب رغم الانقطاع والمشقة. فلماذا أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تجريف مكاتب الإذاعة الفلسطينية وتدمير مبانيها واقتلاع إرسالها؟ هل من علاقة بين تجريف الأرض واقتلاع الأشجار وهدم البيوت وبين تجريف الإذاعة؟ وما الإذاعة الفلسطينية التي تتحدى هذا العدوان؟ وما علاقة هذه الإذاعة بالصراع التاريخي والتعبئة الوطنية ومواجهة الافتراءات التاريخية؟ وما المطلوب من الإذاعات العربية ومؤسسات الإعلام العربي والصديق في مواجهة هذه السياسة الإسرائيلية؟
الإذاعة الفلسطينية وسياسة التجريف والاقتلاع كشفت العملية العسكرية الإسرائيلية يوم الخميس الموافق 13/12/2001 والتي استهدفت إذاعة صوت فلسطين برام الله، المبنى والمكاتب ومحطة البث والإرسال ومتعلقات العمل الفني الإذاعي عن حقيقة السياسات العدوانية الإسرائيلية متعددة الأهداف والأشكال والممارسات والتي حاولت الحكومات الإسرائيلية أن تغلفها بغلاف مفضوح لم يستطع أن يخفي حقيقة السياسة الإسرائيلية متواصلة الحلقات، وبخاصة عند تدمير الإذاعة الفلسطينية، فإذا استطاعت السياسة الإسرائيلية ووسائلها الإعلامية أن تقنع غير العارفين بأن تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وهدم البيوت ومنازل الآمنين يقع في إطار الدفاع وملاحقة رجال المقاومة والانتفاضة وتسطيح المرتفعات وتسويتها بغرض توضيح الرؤية وتوفير مساحة من القدرة على المشاهدة والمراقبة، إذا كان ذلك جائزاً عند بعضهم فإن عملية تدمير الإذاعة الفلسطينية وتجريفها لا يمكن أن تقع في إطار هذا التفسير حتى وإن حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تبرر ذلك بما أسمته وقف سياسة التحريض التي تقوم بها هذه الإذاعة ووسائل الإعلام الفلسطينية بعامة، وكأن الحق في الإعلام موقوف على الحكومات الإسرائيلية وحدها وليس لغيرها حق حتى في الدفاع عبر الأثير، وهذه قضية بالغة الأهمية إذا وصفناها في إطار الصيغة الدولية السائدة هذه الأيام، صيغة الهيمنة والتحكم واستعباد الآخر، والصيغة الإسرائيلية جارية الإعداد والتنفيذ من خلال إذاعة مركزية (قومية)، وقناة فضائية جديدة ناطقة باللغة العربية بعدما حققت الفضائيات العربية إنجازاً مهماً في الترويج للانتفاضة وفضح الممارسات الإسرائيلية العداونية والظالمة، ولو في المرحلة الأولى من الانتفاضة التي أربكت الإعلام الإسرائيلي وجذبت الإعلام الدولي ونفخت قليلاً في الإعلام الرسمي العربي، وأثقلت الإعلام الفلسطيني. في الإطار الشكلي العام، هناك علاقة بين تجريف الأرض واقتلاع الأشجار وهدم البيوت، وملاحقة رجال المقاومة بالمروحيات ومدفعية البوارج والسفن الحربية والاغتيال والاعتقال والمطاردة، بين كل ذلك وبين تدمير الإذاعة وتجريف المباني والمكاتب ومحطة الإرسال التاريخية، غير أن العلاقة الأكبر هي التي نقصدها في هذه المعالجة، وهي طمس الشخصية الفلسطينية، واقتلاع الوجود التاريخي الفلسطيني بأشكاله المختلفة سواء الهواء، أو الماء، أو السماء، أو الأرض، أو الإنسان، أو العقل والفكر والحياة، فالملاحظ أن السياسة الإسرائيلية تقتلع الأشجار التاريخية الدالة على التراث الفلسطيني، شجرة الزيتون والبرتقال، وهو ما اشتهرت به فلسطين عبر التاريخ مما جعلها ثالث دولة في العالم في إنتاج زيت الزيتون وتصدير البرتقال والحمضيات، بالإضافة إلى اقتلاع أشجار الجميز ذات البعد التاريخي الشاهد على الحياة الفلسطينية، فشجرة الجميز تضرب بجذورها عبر التاريخ الكنعاني أي العربي على هذه الأرض الفلسطينية، وهي دارجة على ألسنة العامة والأدباء والشعراء والروايات. وفي هذا الإطار يأتي تدمير الإذاعة الفلسطينية وتجريفها وذلك في سياق تجريف الوجود الفلسطيني التاريخي، المنصوص عليه في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والكتب السماوية ويحكيه التاريخ الحضاري الإنساني، وهو ما نعنيه بالإطار الكامن في عملية الصراع الذي يجري هذه الأيام تناسيه والابتعاد عنه والاقتراب في التعامل مع مصطلحات الإعلام الإسرائيلي التي يقع الإعلام العربي في خطأ ترديدها دون وعي ومن ذلك اعتبار المستعمرات والمستعمرين بديلاً للمستوطنات والمستوطنين وعرب "إسرائيل" بديلاً للفلسطينيين، ومصطلح "إسرائيل" بدلاً من الكيان أو الدولة أو الحكومة الإسرائيلية، ومناطق السلطة الفلسطينية، بدلاً من الأراضي الفلسطينية وغير ذلك من المصطلحات التي تحتاج إلى معالجة علمية مستقلة سنعمل على تحقيقها في دراسة منفصلة، لعلنا نعيد إلى الذاكرة خطورة الوقوع في حبائل وشباك الإعلام الإسرائيلي وربما دون قصد، أو دون وعي، أو بقصد الظهور بالتسامح والتعقل والتحضر، أو بالقياس مع مفاهيم الاستعمار التقليدي وإن كان ذلك في الجزائر نموذجاً سميناه الاستعمار الاحتلالي والاستيطاني فكيف يكون الاحتلال الإسرائيلي استعماراً ولا يكون استيطاناً وقد عرفه العالم في فلسطين هكذا؟
الإذاعة الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية العدوان الإسرائيلي على الإذاعة الفلسطينية ليس نزوة أو خطأ، أو مرةً وينقضي، وليس فعلاً جديداً شاهدناه خلال شهر ديسمبر من عام 2001 وانتهى أمره، إنما هو سياسة إسرائيلية مقصودة وهادفة منذ بدايات الصراع على الأرض الفلسطينية بين المجاهدين الفلسطينيين من ناحية والعصابات اليهودية الصهيونية المدعومة بالانتداب البريطاني مباشرة والحماية الأمريكية المتعددة والتزويد الروسي الطامع والأيديولوجي آنذاك والأطماع الأوروبية على اختلاف أشكالها، وخضوع الأنظمة العربية لمصالحها الذاتية وغير القومية وحتى الوطنية المحددة بالقطر. باستثناء حركة الشارع العربي المتسارع إلى التطوع والمندفع نحو المشاركة دون اتفاق على قواعد تنظيمية وقيادة موحدة أو معتمدة لإدارة الصراع من ناحية أخرى وإنما هي شهامة المواطن العربي وقناعاته الإيمانية. منذ بداية الصراع تشكلت الإذاعات السرية من كل أطراف الصراع، المنظمات اليهودية، التي امتلكت إذاعات خاصة عرفت بالإذاعات السرية ذات الأهداف المحددة لتلك المنظمات وإن اتفقت في النهاية على إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين على أنقاض الشعب الفلسطيني العربي التاريخي، والإذاعات السرية العربية والفلسطينية المناهضة للمؤامرة اليهودية البريطانية والاستعمارية على فلسطين والمنطقة العربية، ومن بين هذه الإذاعات، إذاعة المجاهدين وإذاعة أبي زكي وإذاعة صوت فلسطين الناطقة باللغات الثلاث، العربية والإنجليزية والعبرية، وهي الإذاعة المقصودة في هذه المعالجة والتي تعرضت للعدوان الإسرائيلي عبر تاريخها ومراحلها منذ نشأتها عام 1936 وحتى إعلانها في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية في يوليو 1994 بعد اتفاق أوسلو 1993، مروراً بصوت فلسطين صوت منظمة التحرير الفلسطينية في الشتات، وإذاعة العاصفة والقدس وزمزم، وغير ذلك من الإذاعات والأركان والبرامج في إطار الإذاعات العربية وفق قرار الجامعة العربية الداعي لتوسيع الحملات الإعلامية لخدمة القضية الفلسطينية. لقد تعرضت الإذاعة الفلسطينية "صوت فلسطين" إلى العدوان الإسرائيلي مرات متعددة، فقد شنت العصابات اليهودية أكثر من هجوم منذ إنشائها في 30/3/1936، باسم "هنا القدس، دار الإذاعة الفلسطينية من القدس ذاتها، وحتى انتقال هذه الإذاعة من القدس في أبريل 1948 إلى رام الله على أثر القصف المتكرر من المدفعية والدبابات الإسرائيلية لهذه الإذاعة وتحت حماية وحراسة قوات الانتداب البريطاني، وهو ما جعل مدير الإذاعة في ذلك الوقت الأستاذ/ عزمي النشاشيبي يضع خطة للطوارئ بحيث تبقى الإذاعة في حال بث متصل حتى يتم تركيب أجهزة البث الأخرى في رام الله التي توجد فيها أساساً محطة الإرسال والتقوية، وهو ما فطن إليه القائمون على الإذاعة هذه الأيام وبخاصة عندما أباحت حكومة شارون الدم الفلسطيني ومقومات الوجود الفلسطيني مما أفشل الخطة الإسرائيلية القاضية بإسكات الصوت الفلسطيني عبر الأثير وتحت حجج واهية لا تخفى على العارفين بحقيقة الصراع وإن خفيت على المتعاملين مع هذا الصراع من وراء حجاب. تعرضت الإذاعة الفلسطينية إلى القصف والعدوان مرات متعددة منذ 1970 وحتى إغلاقها في يوليو 1994، بعد الانتقال إلى أرض الوطن بموجب اتفاق أوسلو عام 1993، في عمان وبيروت وعين الحلوة وطرابلس وصيدا وصور أثناء الغزو الإسرائيلي في يونيو 1982، وكانت هذه الإذاعة التي عرفت بإذاعة الميدان وتحمل اسم (صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية) بثت برامجها ونداءاتها عبر سيارة تنتقل من مكان إلى آخر تجنباً للمخاطر والقصف الوحشي الإسرائيلي الذي يلاحق هذه الإذاعة، وظلت على هذه الحال حتى رحيل قوات الثورة الفلسطينية في 23/8/1982، ومن بعد ذلك في مايو وحتى ديسمبر 1983 حيث قتال الظاهرة الانشقاقية المدعومة التي استهدفت إذاعة الثورة (صوت فلسطين). تعرضت "إذاعة صوت فلسطين في رام الله إلى العقاب والقصف الإعلامي في عهد حكومة نتنياهو عام 1997 حين مارس أكثر من مرة سياسة العقاب الجماعي ومن ذلك التشويش على إذاعة صوت فلسطين من رام الله الذي كلف الحكومة الإسرائيلية كثيراً من المال والخسائر الأدبية والقانونية مما دفع وزيرة الاتصالات الإسرائيلية آنذاك إلى رفع دعوى بحق نتنياهو أدت إلى إعادة رفع العقاب والتشويش، وإن ظل سيف التهديد مرفوعاً كلما كان لصوت فلسطين دور في المواجهة التي لا يرغب القادة الإسرائيليون في وجودها إلا كما يريدون لها". تعرضت إذاعة صوت فلسطين إلى القصف من المروحيات الإسرائيلية في نوفمبر 2000 بحجة ممارستها التحريض والانتصار للانتفاضة المباركة التي انفجرت في 28/9/2000 على أثر الزيارة غير المحمودة التي قام بها شارون في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية "باراك" كما تعرضت هذه الإذاعة إلى القصف مرة أخرى في مارس 2001 بعد استلام شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية بالإضافة إلى القصف المتكرر لمراكز التقوية للإذاعة والتلفزيون طوال تدافع فعاليات الانتفاضة المباركة مما استدعى الاهتمام بوضع خطة للطوارئ، وبعدما خرج القصف العدواني الإسرائيلي عن المألوف في الصراع وتجاوز كل المحظورات والأعراف. ويأتي العدوان على إذاعة صوت فلسطين في رام الله يوم الخميس 13/12/2001 في ذات الوقت الذي يصل فيه العدوان إلى أمتار قليلة من مقر الرئيس ياسر عرفات وأثناء مزاولته لعمله اليومي المعتاد، يأتي هذا العدوان على الإذاعة لينبش الذاكرة، ويستجلب الوعي التاريخي ويستدعي العقل لليقظة ويفتح المجال للقراءة المتأنية لأبعاد هذا العدوان مربوطاً بسلسلة العدوانيات الإسرائيلية على مقومات الوجود الفلسطيني وعلاماته ودلالاته وبخاصة في هذه المرحلة التي تشتد فيها الهجمة الأمريكية على الحرية الإنسانية في إطار الغلاف الفاضح لما يسمونه "الإرهاب الدولي" غير محدد المعالم والأشكال وإن اتفق في أي شكل لا يلقي ترحيب الأمريكان وتأييدهم وإن كان من قبل تحت قبة القبول والدعم. لقد جاء عدوان الثالث عشر من ديسمبر 2001 على إذاعة صوت فلسطين دليلاً قاطعاً على التعمد في ممارسة سياسة التدمير والهدم والتجريف سواء للأرض أو الأشجار، أو الهواء والأثير أو الإنسان طفلاً كان امرأة أو شيخاً، وفي كل ذلك فإن الاحتلال الإسرائيلي يستهدف إلغاء الآخر الذي هو الأصل، وتعميق سياسة الاحتلال في كل هذه الميادين وهو ما يعبر عنه الاستيطان القديم والجديد وليس الاستعمار كما يحلو لبعض وسائل الإعلام دون وعي وربما بغرض الإبداع ولكنه الإبداع غير المحمود، ومن المتابعة اليومية للسياسات الإسرائيلية في مجال الاستيطان ما تعلنه وسائل الإعلام الإسرائيلية عن استجلاب الجديد من المستوطنين وشق الطرق الالتفافية وإقامة الحواجز وإدامة الحفريات في مواقع المقدسات، وهو ما يؤكد على وعي الإدارة الإسرائيلية بممارساتها العدوانية مما يجعلها مقصودة وهادفة وليست مجرد دفاع أو استكشاف، أو ملاحقة تحقق الأمن، وبذلك تظل الإذاعة الفلسطينية هدفاً مقصوداً وبالوعي الإسرائيلي الكامل، وهو ما يدعو القائمين على مؤسسة الإذاعة أولاً ومؤسسات الإعلام بعامة ثانياً إلى الاحتراس والعمل وفق خطة وذات بدائل متعددة.
الإذاعة الفلسطينية خط المواجهة الأول ارتبطت الإذاعة الفلسطينية في نشأتها وتطورها وسياستها بالأزمة وحالة الصراع الدولي، فقد جاءت الإذاعة الفلسطينية "هنا القدس" في إطار الحاجة الوطنية والمعرفية والاستعمارية بوجه عام التي دفعت بالإذاعات إلى المستعمرات في مختلف بلاد العالم، وكانت فلسطين في الثلاثينات تشهد صراعاً دولياً عاماً، واشتباكات مسلحة بين الفلسطينيين العرب وجماعات اليهود المدعومة من حكومة الانتداب فكان الإضراب العام الشامل في أعقاب تطور الحركة الوطنية الفلسطينية التي نجحت في تحقيق انتصارات ملحوظة على العصابات اليهودية والسياسة البريطانية، مما دفع حكومة الانتداب إلى التفكير السريع في إيجاد وسيلة تسترضي بها الشعب الفلسطيني الذي يلقي تأييداً واسعاً في الإذاعات الدولية الناطقة باللغة العربية ومن أهمها إذاعة "باري" الإيطالية، وإذاعة "سيزن" الألمانية وهما الإذاعتان الأهم في كشف زيف السياسة البريطانية المعادية للعرب، والمنحازة للجماعات اليهودية والمتحالفة معها لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. كانت إذاعة "هنا القدس" دار الإذاعة الفلسطينية الثانية في سلم الإذاعات العربية بعد الإذاعة المصرية التي كانت في 31/5/1934، بينما الفلسطينية في 30/3/1936، وهما بالطبع قبل العراقية والسورية واللبنانية مما يعكس أهمية فلسطين في ذلك الوقت، وكانت هذه الإذاعة تنطق باللغات الثلاث، العربية والإنجليزية والعبرية، وكان أول مدير لهذه الإذاعة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، وقد مرت هذه الإذاعة بأربع مراحل أساسية نلخصها على النحو التالي:
مرحلة الإنشاء 1936-1940 تمثل هذه المرحلة فترة الغليان الشعبي والتحدي الجماهيري والانفجار المسلح ضد الصهاينة من ناحية والانتداب من ناحية ثانية وحين وقع الاختيار على الشاعر العربي إبراهيم طوقان المعروف بالتصاقه الشعبي وانتمائه الوطني ومشاركته الميدانية في العمل السياسي فإنما هدفت حكومة الانتداب إلى تحقيق هدفين أولهما: عزل إبراهيم طوقان عن الشعب، وتهدئة الشعب من خلال سياسة إذاعية موجهة يكون طوقان فارسها إلا أن هذا التوقع تلاشى حين جسّد طوقان تواصله الوطني من خلال هذا المنبر، فقد وضع خطته لتحقيق غايتين هما: خدمة الجمهور، خدمة التراث العربي الأدبي. وقد اصطدمت الغايتان مع هدف الانتداب والصهيونية فثارت ثائرة الصهاينة وامتدت الرقابة إلى كل ما يذيع إبراهيم طوقان وما يعد من تمثيليات وأحاديث وقصص، ومن الأعمال الإذاعية المهمة التي قدمها طوقان، تحقيق أدبي أثبت فيه بالوثائق التاريخية أن السموأل الذي يضرب به المثل بالوفاء (أوفى من السموأل) ليس وفياً وإنما كان ذلك من أجل مال كبير وعده به الشاعر أمرؤ القيس إذا هو استجاب لطلبه وأذاع هذا التحقيق إبراهيم طوقان بنفسه في 20/9/1936 وقد أدى إلى هيجان الصهاينة الذين مكروا له ودسوا عليه ونجحوا مع الانتداب والحاقدين في إقالته من الإذاعة في أول أكتوبر 1940. استمر إبراهيم طوقان مراقباً عاماً للبرامج مدة أربع سنوات رسخ فيها أصول العمل الإذاعي ووضع قواعده وتقاليده، وقد ظفرنا بثروة أدبية وعلمية أشرف عليها بنفسه ومن هذه الثمرات ما أعدته الإذاعة من سلسلة محاضرات موضوعها "شخصيات فلسطينية بارزة" وكان لها دورها في التراث العربي الإسلامي وكان لعالم فلسطين الرياضي الأستاذ قدري طوقان مجال واسع في بحث الجوانب العلمية في هذا الاتجاه، وكان من أبرز العاملين فيها، عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" محمود الحوت، أكرم الحسيني، محمد بوشناق، توفيق أبو شريف.
مرحلة الفن الإذاعي: 1940-1945 تمثل هذه المرحلة فترة الحرب العالمية الثانية وهي الفترة التي شهدت اهتماماً ملحوظاً بالإذاعة الدولية والدعاية لخدمة أهداف الدولة ومواجهة دعاية الخصم، وفي خلال هذه الفترة بدأ العالم يسمع لأول مرة عبارات مثل "حرب الأثير" والجبهة الإذاعية، ومن أسباب اشتعال حرب الأثير بين إنجلترا ودول المحور آنذاك ظهور محطة باري "Bari" سنة 1932 الإيطالية المشهورة باللغة العربية إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد جاء رد إنجلترا على هذه المحطة على شكل إنشاء خدمة إذاعية جديدة توجه للعالم العربي بالعربية في 3/1/38 من دفنتري Daventry دعت لحفل افتتاحها شخصيات بارزة. وبدأت ألمانيا إذاعتها باللغة العربية من راديو سيزن عام 1938 وهي موجهة أساساً إلى مصر والشرق العربي، وفي عام 1943 بدأ الاتحاد السوفيتي برنامجه باللغة العربية، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت دول أوروبا في التنافس على مخاطبة العالم العربي ثم بدأ راديو صوت أمريكا إذاعته المنتظمة باللغة العربية عام 1951. بينما كانت فرنسا تذيع بالعربية من راديو باريس منذ عام 1939. في هذه الفترة تولى الخطيب المشهور الأستاذ عجاج نويهض عربي من لبنان مراقب البرامج في مصلحة الإذاعة الفلسطينية بالقسم العربي، وهو سياسي بارز معاصر للزعيم العربي سلطان الأطرش وشكيب أرسلان ويتمتع بعلاقات سياسية واجتماعية واسعة، ويختلف عن إبراهيم طوقان في الهدوء والحرص بعيداً عن الاندفاع ومراعاة طبيعة العمل، فإذا كان طوقان شاعراً وطنياً يعتمد الإثارة والتحريض ويجسد معاناة الإنسان الفلسطيني المعتدى عليه، فإن عجاج نويهض يحكمه وضعه السياسي والطائفي ونشاطه الاجتماعي، ومع ذلك فقد استطاع عجاج نويهض خلال هذه الفترة أن يحقق إنجازات واسعة في ميدان الإذاعة وأن يوسع إطارها القومي والسياسي ويدعو كتاباً وباحثين ومحاضرين من البلاد نفسها والبلاد العربية المجاورة. ومنهم: الأخطل الصغير، وعبد اللطيف الطيباوي وعبد السلام البرغوثي، وعباس العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد العزيز البشري ومحمد كرد علي، وخليل تقي الدين ونسيم يزبك، وأسمى طوبى، وقدسية خورشيد، وخليل بيدس، وفؤاد صروف أسعد داغر وأمين نخلة. وفي هذه الفترة أنشأت بريطانيا إذاعة الشرق الأدنى كإذاعة دولية تخدم أهدافها في المنطقة واتخذت لها مقراً في مدينة جنين في فلسطين في ديسمبر 1941 ثم انتقلت بعد خمسة أشهر إلى مدينة يافا ومنها إلى مدينة القدس في حي باب الساهرة حتى انتقلت بعد نكبة فلسطين عام 1948 إلى قبرص. وكانت هذه الإذاعة أوسع إرسالاً وأوفر ساعات وأكثر تعدداً وتنويعاً في البرامج وأكثر انتشاراً وتغطية وقد استقطبت معظم عناصرها وكوادرها من الكفاءات الفلسطينية حيث شكلوا مع الإذاعة الفلسطينية مدرسة إذاعية متميزة كان لها دورها الفاعل والإيجابي في تعميم الفن الإذاعي وتطويره في الوطن العربي.
مرحلة الانتشار: 1945-1948 وتمثل هذه المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية واغتصاب فلسطين وقد كانت حصيلة المرحلتين السابقتين إعداداً وفناً الأساس لمرحلة انتشار الكفاءات تبعاً لحالة الشتات والتوزيع وكان الأستاذ عزمي النشاشيبي مراقباً عاماً للبرامج وفي عهده زاد البث ليصل إلى ثلاث ساعات ونصف موزعة على فترتين صباحية ومسائية وقدم منهجاً إذاعياً جديداً يواكب التطور في هذا الميدان فأدخل البرامج الخاصة والمسابقات بالعربية والإنجليزية، ومن الأسماء اللامعة في حقل الإذاعة التي عملت في هذه الفترة، موسى الدجاني، راجي صهيون، هشام النشاشيبي، علي مراد، عصام حماد، ونزهة الخالدي، وهنرييت سكسك المعروفة باسم الآنسة سعاد وقدمت برامج الأطفال. وفي هذه الفترة، توسع العمل الإذاعي الفني وبرزت مواهب وكفاءات استطاعت أن تمكن الفن الإذاعي بزاد من الفن والتنوع والمهارة، وقد أثرت الفكر العربي أدباً وسياسة من خلال استقطابها صفوة المفكرين والكتاب العرب لتجسد بذلك المعنى الحقيقي للتواصل العربي والوحدة العربية وفي ذات الوقت تؤكد مكانة فلسطين عند العرب ورواد الفكر وفي ذلك رد عملي على الدعاية الصهيونية والسياسة البريطانية التي اعتمدت مبدأ (فرق تسد) ويذكر للإذاعة الفلسطينية أنها مدرسة التدريب الإذاعي للعاملين في إذاعة لندن "القسم العربي" إضافة إلى أنها زودت هذه الإذاعة بالكفاءات الإذاعية وما يزال للرواد في الإذاعة الفلسطينية شأن في ميدان الإعلام ولهم نفوذهم الواسع في هذا المجال.
مرحلة الاستبدال: 1948-1959 ونعني بهذه المرحلة فترة الانتقال من الإذاعة الفلسطينية إلى الإذاعة الأردنية، وكان أول افتتاح للإذاعة الأردنية في أول مارس 1959 من عمان بقوة مائة كيلو واط أربع ساعات فقط يومياً وتبث برامجها على موجة متوسطة وأخريين قصيرتين وموجة "F.M". في 24/4/1948. انتقلت الإذاعة الفلسطينية من القدس إلى رام الله على إثر سقوط الجزء الغربي من القدس في أيدي الصهاينة وتعرضها للخطر، وكانت رام الله مركز محطة الإرسال للإذاعة الفلسطينية وظلت تبث بنفس البرامج والإمكانات وبقوة عشرين كيلو واط حتى تم توحيد الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن باسم المملكة الأردنية الهاشمية سنة 1950 فسميت "إذاعة القدس" وظلت تعمل حتى 1956 وحدها كإذاعة للمملكة الأردنية، إلى أن أقامت الأردن فرعاً لها في عمان (جبل الحسين) استمر من 56-59، حيث تم افتتاح إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية على شكلها الحالي وانتهى الإرسال من رام الله (إذاعة القدس) بعد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية بعد حرب يونيو 1967. وقد تم ربط دار الإذاعة الفلسطينية بوزارة الخارجية الأردنية بموجب قرار مجلس الوزراء الأردني في مايو 1949. الإذاعة الفلسطينية في رام الله "صوت فلسطين" هي عمق إعلامي تاريخي كان له حضوره بين الإذاعات العربية إن لم يكن هذا الحضور في المقدمة في أغلب الأحيان، وقد دلت استطلاعات الرأي على أن هذه الإذاعة كانت في تنافس شريف مع إذاعة القاهرة وإذاعة لندن وقد أشاد الإذاعيون العرب بهذه الإذاعة، لغةً وأسلوباً وانتشاراً وبرامج، وهو ما نعرض له تفصيلاً في كتابنا (هنا القدس) فقد كانت هذه الإذاعة على مدار مراحلها وتاريخها خط المواجهة الأول مع المعتدين الغاصبين ومع سلطات الانتداب البريطاني، وتحولت الإذاعة إلى مركز إشعاع وطني لا غنى عنه، أسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وتنمية الوعي الوطني والقومي، وكشف الأطماع اليهودية وانحياز سلطات الانتداب البريطاني، واستطاعت هذه الإذاعة أن تشكل اطاراً اعلامياً مبكراً في تدعيم اللغة العربية الفصحى والثقافة القومية في مواجهة دعاة العامية والتغريب الثقافي، وأن تضم إلى صفوفها نخبة من الأدباء والمفكرين والفنانين العرب إلى جانب نظرائهم في فلسطين، فكانت هذه الإذاعة قومية المنهج والأسلوب والأداء والقضية. هذه الحالة الإذاعية التي شكلتها إذاعة صوت فلسطين في رام الله هي السبب المباشر في إقدام سلطات الاحتلال على ضربها وتدميرها وتجريفها والإصرار المتكرر على معاقبتها بأشكال العقاب المختلفة التي يتفنن الاحتلال في ابتكارها وممارستها وهو ذات الأسلوب في تجريف الأرض واقتلاع الأشجار التاريخية، (الزيتون، البرتقال، الجميز، والسدرة) التي تتعمق جذورها في الأرض، وتشمخ عالياً، وتشتد أعوادها، وتتكاثر أغصانها، وتكثر ثمارها وهو ما يؤكد الحقيقة الفلسطينية المتوارثة، علاقة الإنسان الفلسطيني بالأرض والأشجار والإذاعة والإنتاج، حقيقة تسطع ولا يخفت شعاعها مهما ارتكبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من آثام وجرائم بحق الإنسان والأرض والأشجار والأثير.
إذاعة "صوت فلسطين" تواصل لا ينقطع لم يتوقف صوت فلسطين عبر الأثير، فقد انتقلت هذه الإذاعة من القدس في أبريل عام 1948 تحت إرهاب القصف والعدوان من العصابات اليهودية الغازية مدعومة بالانتداب البريطاني، وانطلقت صوت فلسطين من رام الله حيث ساريات الإرسال الشامخة والشاهدة على التاريخ، وحين تتوحد الضفتان (الشرقية والغربية) من نهر الأردن ليشكلا المملكة الأردنية الهاشمية، تكون هذه الإذاعة هي الأم للإذاعة الأردنية عبر مراحلها، وفي هذه الفترة أي في الخمسينيات، يشهد قطاع غزة الملتهب حماسة ونضالاً وتشكيلات فدائية برعاية مصرية في عهد الرئيس الخالد، جمال عبد الناصر، يشهد توجهاً لإنشاء إذاعة فلسطينية في غزة تكمل مشوار إذاعة القدس ورام الله، وقد أعدت إذاعة صوت العرب منذ نشأتها، الكوادر الفلسطينية للإشراف على هذه الإذاعة غير أن قسوة الظروف وشدة الصراع والأعمال الفدائية والعسكرية على امتداد خط الاشتباك أعاقت هذه الإذاعة عن الانطلاق رغم وصول المعدات إلى غزة. وبعد انعقاد مؤتمر القمة العربية في الإسكندرية والمؤتمر الثاني في القاهرة والإعلان عن إنشاء م.ت.ف. وانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الأولى في القدس، 28/5/1946 تم الاتفاق على إنشاء إذاعة للمنظمة عرفت باسم (صوت فلسطين ـ صوت منظمة التحرير الفلسطينية) وانطلقت في الأول من مارس 1965، واستمع الشعب العربي والفلسطيني إلى رئيس م.ت.ف. المرحوم أحمد الشقيري يلقي كلمة الافتتاح واتخذت هذه مقراً لها بالقاهرة، وكان لها دورها الفاعل في تحريك الشارع الفلسطيني والعربي، وتعرضت للإغلاق أكثر من مرة بسبب التباينات بين الأنظمة العربية والضغوط الرسمية لتعديل لغة الإذاعة وهو ما لم يحدث وظل للإذاعة مسارها وأسلوبها وهدفها ولغتها الخاصة. وفي عام 1968 أهدى الرئيس جمال عبد الناصر حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" إذاعة خاصة تقديراً لأعمالها الفدائية ذات التأثير والتي جعلته يعلن بأن المقاومة الفلسطينية أفضل ظاهرة أنتجتها الأمة العربية، ثم اتحدت الإذاعتان، صوت العاصفة وصوت فلسطين، ليشكلا إذاعة واحدة بقيادة واحدة بعد أن تولى ياسر عرفات قيادة م.ت.ف.، حيث بدأ تطوير الإذاعة لتناسب طبيعة الحركة الفلسطينية المسلحة. وفي بيروت حيث التواجد الفلسطيني الأكبر، وانتقال القيادة من عمان إلى لبنان، انتقلت هذه الإذاعة لتكون المقر الرئيس للإذاعة الفلسطينية وتحمل اسم "صوت فلسطين ـ صوت الثورة الفلسطينية". وأصبح لهذه الإذاعة فروعاً مختلفة في دمشق، وبغداد، والجزائر، وصنعاء، وعدن بالإضافة إلى الأركان الخاصة في إطار الإذاعات العربية وأبرزها إذاعة فلسطين في إذاعة صوت العرب، والبرامج اليومية المختصة بفلسطين في بعض الإذاعات العربية، مثل الكويت، والسعودية، وليبيا، وغير ذلك في إطار الدعم العربي للنضال الفلسطيني. وبموجب اتفاق أوسلو للسلام في 13/9/1993، فقد تم افتتاح إذاعة صوت فلسطين من أريحا في 2/7/1994 مع وصول السيد ياسر عرفات إلى غزة وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وما عرف آنذاك (غزة ـ أريحا أولاً) والتي استقطبت الكفايات الفلسطينية الإعلامية العائدة وفق الاتفاق وما قدمته الدول العربية من مساعدات فنية مثل: مصر والأردن والإمارات العربية وغيرها في إطار الدعم الممكن حتى استطاعت هذه الإذاعة أن تشق طريقها وفق الإمكانات المحدودة التي أمكن توفيرها كما ساهمت فرنسا وإيطاليا وألمانيا بجهود طيبة في التدريب الفني للكوادر الفنية والإذاعية. وفي 4/9/1994، تم الإعلان عن انطلاق تلفزيون فلسطين ولأول مرة على الأرض الفلسطينية واستقطبت حسب الظروف بعض المجتهدين بين الشباب والمتطوعين من الخبرات، حتى استطاع هذا التلفزيون رغم إمكاناته المحدودة أن يشغل مساحة بين وسائل الإعلام العربية وأن يسهم في تلبية حاجات الشعب الفلسطيني المتعطش للحرية والاستقلال. وفي 30/3/1999 انطلقت إذاعة صوت فلسطين، البرنامج الثاني "F.M" من غزة لتغطي منطقة جغرافية مهمة هي قطاع غزة حيث لا يمكن التقاط الإذاعة من رام الله بشكل دائم وبوضوح دائم، وبخاصة أن سلطات الاحتلال تواصل تهديداتها بالعقاب والحرمان والتشويش والتدمير كما حدث مرات، واستطاعت هذه الإذاعة البرنامج الثاني من غزة أن تستقطب مساحة واسعة من الجماهير المتعطشة لإذاعة الوطن، وأسهمت هذه الإذاعة بدور مهم في تغطية فعاليات الانتفاضة ومواجهة الدعايات الإسرائيلية. وفي الأول من يناير عام 2000 تمكن القائمون على هيئة الإذاعة والتلفزيون من الإعلان عن انطلاق القناة الفضائية الفلسطينية، وكانت هذه الفضائية قد أسهمت بفاعلية نقل فعاليات الانتفاضة بالصورة في وقت الأحداث مما جعلها مصدراً للمعلومات في الأشهر الأولى من الانتفاضة، وتعرضت الفضائية الفلسطينية إلى التهديد أكثر من مرة من الاحتلال الإسرائيلي وتم قصف بعض مراكز التقوية.
السياسة البرامجية للإذاعة الفلسطينية أثرت الأوضاع السياسية العربية والدولية والفلسطينية، والإسرائيلية على طبيعة السياسة البرامجية، فنلاحظ أن لكل فترة أو مرحلة من مراحل الإذاعة الفلسطينية أسلوب ومنهج بهدف توصيل رسالتها الإعلامية، فالإذاعة قبل النكبة تركزت رسالتها في الحث على مواجهة الهجرة اليهودية، والتمسك بالأرض، وفضح سياسة دولة الانتداب، وتعزيز الوحدة الوطنية، واستخدمت لغة الأدباء وبرامج الأحاديث والتعليقات السياسية. وفي مرحلة الإذاعات الفلسطينية المختلفة التابعة للإذاعات العربية فقد غلب عليها أسلوب الإحياء الفلسطيني والدعوة للتذكر، وربط الإنسان العربي بالقرى والمدن والتاريخ الفلسطيني وفي المعالجة السياسية نجد هذه الإذاعات تعكس وجهة نظر الدولة التي تبث منها برامجها وغالباً ما يكون العاملون فيها على علاقة التزام بذلك النظام من الناحية السياسية وبخاصة في الدول الحزبية أو صاحبة المنهج السياسي المتميز. أما إذاعة م.ت.ف. فقد اعتمدت من حيث الشكل نمط الإذاعة الرسمية من حيث الخطة البرامجية إلا أنها تنحو منحىً متميزاً عن تلك الإذاعات الرسمية فتعتمد أسلوب الخطابة والنبرة القوية، والإثارة السياسية وتحريض الجماهير، وتلتقي في ذلك مع أسلوب صوت العرب في مرحلته الأولى حتى هزيمة يونيو 1967، وقد رسمت خطتها البرامجية على أفكار أساسية هي: 1- بعث الوعي الوطني بين الجماهير. 2- ربط الجماهير بالأرض والوطن. 3- الدعوة للجندية وحمل السلاح والتضحية. 4- أهمية الوحدة الوطنية بين الفئات الفلسطينية. 5- الدعوة لإحياء الكيان الفلسطيني وإبراز الشخصية الفلسطينية. 6- ربط القضية الفلسطينية بالجماهير العربية. 7- تسليح القرى الحدودية في الوطن العربي. 8- إحياء التراث والأدب الفلسطيني. 9- بعث الحنين إلى الربوع بأسلوب وجداني. 10- اعتماد الأغاني القصيرة وربطها بالطبيعة والأرض والإنسان الفلسطيني. 11- تقديم صورة إذاعية للاحتفالات الشعبية والرسمية. 12- متابعة نشاط قيادة م.ت.ف. 13- الرد على الدعاية الصهيونية والاستعمارية. 14- التركيز على وحدة الضفتين. أما إذاعة الثورة الفلسطينية وإذاعة العاصفة فقد اعتمدت أول الأمر أسلوب الجمل الثورية، والعبارات النارية، والفقرات القصيرة، واستخدمت لذلك لوناً غنائياً أثار الجماهير وربطها بالبندقية والقواعد الفدائية والتغني بمجد الشهداء، وقد طورت هذه الإذاعة نفسها لتعتمد الشكل البرامجي وبخاصة بعد استقرارها في بيروت وتبلور شخصية مسؤوليها الذين خاضوا التجربة الإذاعية بجهودهم وحماسهم، واعتمدت الإذاعة أول الأمر على إنتاجهم الذاتي وتوجيه القيادة السياسية. وكان لإذاعة الثورة نصيب وافر في التعبئة الوطنية أثناء مواجهة العدو في الحروب المتكررة في لبنان وبخاصة أثناء حرب بيروت 1982، وكان تركيز العدو واضحاً لتدميرها فكانت تعمل على عربة متنقلة، وكان انقطاعها يسبب قلقاً لدى الجماهير في لبنان والمليشيات والقوات، كما أن هذه الإذاعة في الحرب قد استقطبت معظم الكتاب الفلسطينيين المتواجدين على ساحة بيروت فأسهموا بجهود وافرة في هذا الميدان، كما أن أفرادها كانوا يستخدمون بعض المسجلات في حرب دعائية فريدة ضد قوات العدو وذلك بتسجيل بعض العبارات على أشرطة الكاسيت ودفعها سراً إلى منطقة قريبة من قوات العدو مما يترك بلبلة في صفوفه. ويذكر لهذه الإذاعة أنها قدمت خدمات وافرة للفدائيين داخل الأرض المحتلة وكانت النداءات والإشارات كلمة السر للعمل والحركة وقد نجحت هذه الإذاعة في إنقاذ التنظيم السري للفدائيين بعد اغتيال الشهيد كمال عدوان في بيروت في أبريل 73 باعتباره مسؤول الإعلام المركزي لـ"فتح" والمسؤول المباشر عن التنظيم السري في الأرض المحتلة فبادرت الإذاعة إلى بث نداءاتها ورموزها وإشاراتها للانتشار وحل الخلايا ريثما يعاد البناء من جديد. ويرى الباحث بأن إيجاد قاعدة آمنة لإرسال إذاعي فلسطيني مستقل ضرورة وطنية وقومية، وحاجة ملحة لتنشيط العمل الفلسطيني والإسهام في توحيد الصف، وإنعاش الوضع السياسي، وبلورة صيغة مشتركة للعمل الوطني في ظل الحصار السياسي والعسكري والمالي والاجتماعي والثقافي والإعلامي للحركة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الذي تزداد معاناته يوماً بعد يوم، وتلاحق قياداته وكوادره وأبناؤه ومنازل وبيوت الآمنين.
فلسطين والإعلام العربي والعدوان الإسرائيلي نأتي إلى المحور الأخير والذي يعكسه التساؤل المطروح في مقدمة هذه المعالجة وهو: ما المطلوب من الإذاعات العربية، ومؤسسات الإعلام العربي والصديق في مواجهة السياسة الإسرائيلية؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى دراسة منفصلة متسعة ومفصلة، تدرب واقع الإعلام العربي وتحدياته الفنية والتقنية والسياسية وارتباطاته الإقليمية والدولية، التي ما تزال تضعه في موقع التبعية الإعلامية بالرغم من القدرة المالية الواسعة، والقدرات البشرية والفنية، والقدرة على الإنتاج والإبداع، وهذه الحالة ما تزال مطروحة على اجتماعات وزراء الإعلام العرب، والمسلمين أيضاً، ولجان المتابعة المختلفة، غير أن ذلك كله لم يفلح في الإجابة عن السؤال المطروح، بالرغم من أن تهديداً إسرائيلياً قادماً عنوانه "الفضائية الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية"، والإعلان عن إذاعة قومية إسرائيلية، وكلتا الإذاعتين، الفضائية والقومية تمتلكان إمكانات هائلة مالية وفنية وعلاقات دولية واسعة ومؤثرة، وأهدافهما واضحة والجمهور المستهدف واضح ومحدد، واللغة التي يمكن استخدامها واحدة، وبالتالي فإن التهديد واقع وخطير أيضاً إذا لم يتحرك القائمون على مؤسسات الإعلام العربي، الرسمية والخاصة، الفضائية والأرضية، المسموعة والمطبوعة، فالثورة التكنولوجية لا تنتظر المتباطئين وغير العالمين وغير العارفين، فالصراع القائم والقادم صراع إعلامي تكنولوجي ولعل مواقع الإنترنت المنتشرة تعطي الدليل القاطع على حجم هذا الصراع وخطورته وتسارع آلياته، والتأثيرات المتوقعة في ضوء أحادية القطب العالمي والعولمة وسياسة الهيمنة غير المحسوبة. إن عملية اقتلاع إذاعة صوت فلسطين وتجريف المكان والإرسال مؤشر بالغ الخطورة، فبالإضافة إلى مؤشر إلغاء الآخر المتمثل هذه المرة في إلغاء التاريخ الإذاعي الفلسطيني فإن القادم ينبئ عن عمل إسرائيلي إذاعي متعدد يجعل لكل طائفة وفئة وتجمع إذاعة، كما هو في المجتمع الإسرائيلي وتعدد إذاعات الفئات والأحزاب والمذاهب، غير أنه في الجانب العربي يؤشر على أن هذه الإذاعة القومية تكون المرجع الإعلامي والثقافي والسياسي والعسكري للمنطقة العربية بعامة كما هي اليوم الإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية، التي تحظى بنسبة استماع عالية بحثاً عن المعلومات والخدمات. من حسن حظ الإذاعة الفلسطينية "صوت فلسطين" أنها وجدت من يحملها إلى الأثير وينقل صوتها وإن كان على استحياء، فقد تعاونت مع إحدى الإذاعات الخاصة المنتشرة واستخدمت موجتها وإمكاناتها ريثما يتم بناء الإذاعة وتجديدها وإعادتها إلى الأثير الفلسطيني الحقيقي، وكان الأولى أن يكون هناك ميثاق شرف إعلامي عربي وإسلامي يحمي إذاعة فلسطين وغيرها من الإذاعات عندما تتعرض للأذى والاقتلاع والتدمير، وأن يكون صوت فلسطين هو صوت الإذاعات العربية، والإذاعات العربية هي صوت فلسطين، وبخاصة أن الإمكانات المالية والفنية والتقنية قائمة وأن الكوادر المؤمنة والمتحمسة والمتطوعة متوافرة وراغبة وقادرة على العطاء. ومن جانب آخر فإن المطلوب والفوري أن يتداعى إلى اللقاء إذاعات الوطن العربي لتعلن موقفاً واحداً وليس انتظاراً لاجتماع الوزراء أو المندوبين أو اللجنة الدائمة، وأن يتوازى أو يعقب ذلك اجتماع لوزراء الإعلام العربي ووزراء الإعلام في الدول الإسلامية وأن تشكل الهيئتان، العربية والإسلامية إطاراً ينظم هذه العلاقات أثناء الأزمة كمثل الأزمة الإعلامية الفلسطينية في ظل سياسات القمع والتدمير والاقتلاع الإسرائيلية التي لا تجد من يسألها ويحاكمها وفق القوانين وفي إطار ما نسميه الحرية في التعبير والحق في الاتصال والإعلام، الذي كثرت لجانه وهيئاته ومنظماته وقلت أفعاله وتأثيراته وفقدت هذه المنظمات والهيئة إزاء ذلك مصداقيتها وجاذبيتها. إن المعارك الإعلامية أكثر تأثيراً من المعارك العسكرية وبخاصة في ظل الثورة الإعلامية والتكنولوجية الهائلة، وقد نجحت الإذاعات قديماً في الحروب العالمية في التأثير في المجتمعات الأخرى التي تحتاط بها هذه الإذاعات وأن يكون للكلمة الإذاعية فعل السحر والتأثير وتعلن الاستسلام دون قتال والتجارب كثيرة، وهذا يدفعنا إلى إيقاظ الوعي والتنبيه إلى الاستفادة من تجارب الآخرين، وأن نحث الخطى لصياغة إطار إعلامي فاعل ومؤثر لمواجهة الأزمات وأن يكون هذا الإطار ملزماً عند الشدائد، وبذلك لا نبكي إذاعة صوت فلسطين وكفى، ولا نتوقف عند الشجب والاستنكار لما كان، بل يكون لنا دور الفعل الميداني الإعلامي الذي هو بالقطع عنوان التواصل والعبور إلى العالم والتعامل مع مستجدات الإنتاج.
المصادر 1- حسين أبو شنب، "الإعلام الفلسطيني"، عمان، دار الجليل للدراسات والنشر، 1988. 2- حسين أبو شنب، "مدخل إلى فن الراديو والتلفزيون"، غزة، دار المنارة، 1999. 3- حسين أبو شنب، "الإعلام الفلسطيني تجاربه وتحدياته"، خانيونس، مكتبة القادسية، 2001. 4- حسين أبو شنب، "الفن الإذاعي"، خانيونس، فلسطين، 2000. 5- جيهان رشتي، "الدعاية واستخدام الراديو في الحرب التقنية"، القاهرة، دار الفكر العربي. 6- سهير بركات، "الإذاعة الدولية، دراسة مقارنة"، الكويت، مؤسسة علي جراح، 1978. 7- عبد الرحمن ياغي، "حياة الأدب الفلسطيني"، بيروت، المكتب التجاري، 1968. 8- ناصر الدين الأسد "الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن" القاهرة، معهد الدراسات العربية العالمية 75 9- بيان نويهض الحوت "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين" بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981. 10- ماجي الحلواني، "الإذاعات العربية"، القاهرة، دار الفكر العربي، 1982. 11- خليل صابات، "وسائل الاتصال نشأتها وتطورها"، ط 3، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1982. 12- محمد علي العويني، "الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق"، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1978. 13- هيثم كيلاني، "الشعب الفلسطيني والكفاح المسلح"، تونس، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، ع44، ديسمبر، 1985. 14- عيسى الشعيبي، "الوعي الكياني والتطورات الفلسطينية"، بيروت، شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث م.ت.ف، العدد 90، لعام 1979. 15- أحمد المرعشلي وآخرون، "الموسوعة الفلسطينية"، دمشق، 1984. 16- كامل السوافيري، "الأدب العربي المعاصر في فلسطين"، القاهرة، دار المعارف، 1975. 17- "صحيفة فلسطين الأسبوعية"، تصدر عن المكتب الفلسطيني للخدمات الصحافية، رام الله، فلسطين، العدد 13، السبت، 5/1/2002، ص 32-33، مقابلة مع باسم أبو سمية مدير الإذاعة. |