في ظل الهجمة الصهيونية المكثفة، والانقسام الفلسطيني، كيف تصف هذا الوضع، وما هي رؤيتك لآفاق الحل في موضوع الانقسام؟
لا بد من التوضيح والتذكير بطابع المشروع الصهيوني في هذه المرحلة، وكيف تعامل الجانب الصهيوني مع الانقسام، لندخل بعدها إلى الكيفية التي تعاملت بها الأطراف الفلسطينية مع هذه المسألة. في هذا السياق فإن الانقسام الفلسطيني هو مصلحة مستمرة سياسياً وإستراتيجياً لإسرائيل، حيث بالتدقيق في المشروع الإسرائيلي، والأمريكي الإسرائيلي الذي يتم بناؤه على خلفية الانقسام نجد أن إسرائيل تتحدث عن السلام وتدير المفاوضات بما يشبه حملة العلاقات العامة السياسية، بينما على الأرض تواصل سياساتها التي لا تدل ولا تؤشر على حد أدنى من السعي تجاه السلام، أو التسوية، أو ما يقاربها، فتستمر سياسة الحصار الثقيل بما يقارب فعلاً إبادة جماعية مع استمرار الاستيطان المكثف، واستمرار بناء الجدار، والحواجز التي تقطع أوصال الضفة، لدرجة أنك تجد ما يشبه المعابر الدولية بين المدن الفلسطينية، فمن جهة لدينا مفاوضات عبثية لا ينتج عنها أي شيء، ومن جهة أخرى انقسام، ومفاوضات على قضايا تفصيلية بين حماس وإسرائيل عبر مصر، يسمونها التهدئة.
وبالتأكيد، إن استمرار الانقسام يخدم مصلحة إسرائيل، والاستمرار بمشروعها، ويلحق أكبر الضرر وبشكل متواصل بالمشروع الوطني الفلسطيني، وعناوينه: العودة، وتقرير المصير، والدولة المستقلة. وبالتدقيق قليلاً نذكر أن إسرائيل وافقت مثلاً في أوسلو على ممر آمن بين غزة والضفة حتى اللحظة هذا الممر، لا في ظروف التفاوض السابقة ولا الآن، تم إنجازه، لأن السياسة الإسرائيلية لا تريد على المدى البعيد أن يكون هناك تواصل بين الضفة وغزة، ولا تريد دولة مستقلة للفلسطينيين.
الأمر الآخر، الطرف الإسرائيلي وأصحاب القرار فيه، يتحدثون عن الخطر الديمغرافي الفلسطيني. منذ عام 2000 دقوا ناقوس الخطر في هرتسليا، وحذروا من خطر الديمغرافيا الفلسطينية على الدولة اليهودية، ومنذ ذلك الوقت بدأ التخطيط للتخلص من العبء الفلسطيني البشري. وفي هذا السياق جاء الخروج من غزة، ولا أريد أن أقلل من أهمية المقاومة كعامل أساسي في انسحاب إسرائيل عام 2005، ولكنها وجه من وجوه المسألة، الوجه الآخر أن إسرائيل لا تريد أن تكون مسؤولة عن غزة، ولا تريد الديمغرافية الفلسطينية في غزة، وكل واقع غزة مرفوض بالنسبة لها.
النقطة الأخرى، عام 2005 قرر شارون الانسحاب من غزة في عهد أبو مازن وجميعنا يذكر أنه كان هناك إشادة وموافقة، وما يلفت النظر أن إسرائيل شارون لم تتفق مع أبي مازن أو أي طرف فلسطيني لتسليم غزة، فإسرائيل لا تريد أن تتعامل مع مؤسسة أو كيان فلسطيني، بدوره أولمرت رفع شعار (الانطواء) وهذا يعني الانسحاب من طرف واحد، وفرض الحل في الضفة، وجاءت أحداث 2006 والحرب على لبنان لتعطيل الأمر مؤقتاً، لكن الآن عادوا ليستمروا برسم وقائعهم على الأرض ومصادرة الأراضي، والقدس، والكتل الاستيطانية، الأغوار، في النهاية يريدون ترسيم الحدود الفلسطينية بما يتناسب مع مشروعهم، لذلك عندما تحاول تحديد موقع الانقسام في خارطة الوضع السياسي نجد أن الانقسام حدث ـ بوعي أو بغير وعي ـ لتسهيل تطبيق المشروع الصهيوني.
نحن أمام سلطة في غزة، وباقي الأطراف معارضة، وفي الضفة كذلك الأمر سلطة أخرى، والباقي معارضة، والجميع تحت قيود الاحتلال، حيث تقوم سياسة إسرائيل على محاربة (الإرهاب)، وتقول أن سلطة أبو مازن في رام الله ضعيفة، ولا تستطيع فرض الأمن. فإسرائيل لا تريد كياناً سياسياً فلسطينياً تتعامل معه، وتحدد معه معالم اتفاق ما، بل تريد وتسعى لشراء الوقت لإنجاز مخططاتها.
لذلك لا أعتقد أن هناك أفقاً سياسياً مرئياً لتسوية فلسطينية إسرائيلية، أكثر من ذلك هناك قلق حقيقي يجب أن يشعر به كل فلسطيني من أنه تحت ظروف الانقسام وتعمقه والحصار والضغط الأوروبي- الأمريكي والعربي أيضاً، أن يفرض اتفاق ما يسمى (اتفاق رف) أو إطار اتفاقية، ويفرض علينا دون أي تطبيق لاحق، خصوصاً أننا في عهد إدارة أمريكية مدبرة وليس لديها أي شيء لتعطيه للفلسطينيين، وهي الطرف الوحيد الذي من الممكن أن يضغط على إسرائيل، عدا ذلك الوضع الفلسطيني أمام طريق مغلق وإسرائيل لا تستجيب للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية ـ هكذا هو الوضع على الواقع.
هنا يأتي جوهر السؤال وموضع الانقسام، نحن نرى أن حماس أوقعت الوضع الفلسطيني في إشكالية كبرى بإقدامها على ما أقدمت عليه في غزة، وقد سبقه طبعاً الاقتتال الفلسطيني وهذه كارثة، ولكن كارثة الحسم العسكري أكبر وهي: أنه قد ترتب على الانقسام إضعاف الوضع الفلسطيني بمعزل عن المبررات، لقد تم إضعاف المشروع الفلسطيني وتقسيمه جغرافياً، صرنا أمام كيان مقسم وأمام شعب مقسم، مجمتع مقسم تعاد صياغته في كل من الجبهتين.
وأضيف أن حماس بموقفها الذي اتخذته بالانقسام أضعفت الممانعة والمعارضة الفلسطينية، لأنه لو بقيت حماس خارج الحكومة لكانت قدرة المعارضة ودورها اتجاه التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني أصلب وأكبر، والآن نحن نرى أبا مازن يفاوض رسمياً من جهة، وحماس تفاوض على التهدئة ووقف المقاومة وشاليت وغيرها من التفصيليات.
وهكذا يضعف الواقع الفلسطيني، بالنسبة لنا كجبهة، منذ حزيران صدر موقفنا وتتالت المبادرات الفردية والمشتركة وآخرها مبادرة اليمن.. وأرى أن لا أفق في هذه المرحلة والسبب الرئيسي تمسك كل من الطرفين بموقفه وسلطته، بل أن البعض يروج لفكرة أن الموضوع خرج من يد الفلسطينيين، وأصبح بيد عربية أو دولية، للأسف في ظل حدة الاستقطاب بين أكبر تنظيمين فلسطينيين، فإن عناصر القوة لدى الأطراف الفلسطينية الأخرى محدودة ولا تصل إلى حدود أن تفرض نفسها على معادلة الحل الثنائي بين الأطراف.
وقد كان لنا رأي ومبادرة في المجلس المركزي الأخير بتشكيل لجنة وطنية فلسطينية تخاطب الطرفين، وتتعاطى مع المبادرات حتى يصبح العامل الفلسطيني حاضراً في الوضع الفلسطيني الداخلي، ولكن للأسف رغم الرغبة بالتفاؤل فإنني لست متفائلاً بحل قريب للوضع الفلسطيني المنقسم، لأن ما يجري في غزة هو ترسيخ مؤسساتي وميداني وعملياتي لسلطة حماس، وهي تجد الدعم من أطراف خارجية إسلامية وفتح من جهة أخرى في الضفة، نرى أنها ضربت في سلطتها وتتطلع لتقوية أوراقها للتفاوض لاحقاً، وكل منهما ينتظر هزيمة الطرف الآخر، فنحن لسنا مقدمين على حل قريباً، وهذا محزن ويعزز عوامل الانفضاض عن القضية الفلسطينية، ويعزز أيضاً عوامل تقدم المشروع الصهيوني ويضعف الممانعة والمعارضة, وللأسف الشديد ما دامت هذه الأطراف لا تضع مصلحة الشعب الفلسطيني أولوية في أجندتها وما لم تفعل ذلك أشك أن يكون أمامنا فرصة للحل.
ـ عن الانقسام في مستوى السلطة والداخل الفلسطيني ومخاطره، بعد هذه الصورة المكثفة والواضحة للوضع، نود أن ننتقل إلى وضع منظمة التحرير الفلسطينية وكيف ينعكس هذا الانقسام على مكانتها ووحدة التمثيل للشعب الفلسطيني؟
لا شك أن الانقسام فاقم المخاطر التي تتعرض لها منظمة التحرير منذ سنوات طويلة، حيث هي أصلاً مستهدفة، سواء أمريكياً أو إسرائيلياً.. الخ، وكونها بوتقة وإطار حركة الشعب الفلسطيني التي تحتضن الهوية الوطنية والبرنامج الوطني ويأتلف في إطارها كل منظمات الشعب الفلسطيني، ونحن وغيرنا نسميها الكيان السياسي للشعب الفلسطيني قبل قيام الكيان السياسي على الأرض، بعد قيام السلطة أضعفت المنظمة بسبب عدم تحديد علاقتها مع السلطة االأمر الذي تم فقط بقرار المجلس المركزي في حينه باعتبارها ذراعاً لـ م.ت.ف في الداخل وأيضاً قرار تشكيلها من المجلس المركزي. ولكن السلطة تحولت تدريجياً لمشروع بديل للمنظمة وهذا أضعف المنظمة، وبالتأكيد أراح إسرائيل والأطراف الأخرى، وقد يكون البعض من السلطة والمنظمة قد ساهم في هذا الإضعاف، وأيضاً الإسلام السياسي ممثلاً بحماس طوال الفترة الماضية كان ضد المنظمة ويعتبر نفسه بديلاً سياسياً لها، حتى عندما أعلن استعداده لدخولها، كان ذلك بشروط أولها أسلمة المنظمة عبر تغيير ميثاقها الذي اعتبرته حماس علمانياً ونذكر مفاوضات التسعينيات وما بعدها، حيث لم تفلح في إشراك حماس والجهاد رغم أن أبا عمار حاول عام 1998 أن يدعو إلى دخول حماس وحضر الشيخ ياسين والرنتيسي اجتماعات المجلس المركزي حينه.
حماس حاولت الالتفاف على هذا الوضع المعقد وتشكيل (حزب الخلاص الإسلامي) الذي قبل من منظمة التحرير وأصبح جزءاً منها وأمينه العام يحيى موسى وهو حالياً عضو في المجلس التشريعي عن حماس، لكن حماس وجدت أن الأمر قد يشوش عليها فتراجعت عنه.
المنظمة الآن تعاني من مشكلة استمرار تراكم المشكلات السابقة، والآن الموضوع يتعلق بتفعيلها، وإعادة الاعتبار لها كممثل للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، والآن هناك مساع من أطراف في المنظمة لعقد مجلس وطني في ظل الانقسام وفي غياب حماس والجهاد وفي تجاوز إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني. هذا قد يضعف المنظمة وتمثيلها للفلسطينيين أكثر وأكثر، وهذا قد يؤدي إلى خروج أطراف تقول أن الفلسطينيين مختلفين ما يترتب عليه إمكانية أن تترك الدول العربية الشأن الفلسطيني على الرف حتى يحل الفلسطينيون مشاكلهم.
ورغم أن هذا الأمر مقلق بالنسبة لنا لأننا منذ البداية من دعاة إصلاح وتفعيل المنظمة، ودورها، ونقطة المحور هي المجلس الوطني، ونحن نجحنا مؤخراً في فرض التمثيل النسبي وسنرى في المستقبل كيف تعالج هذه المعضلة بين رغبتنا في الإصلاح ورفضنا أن يدعى للمجلس الوطني بالطريقة التي يتم الحديث عنها، والقلق هو من تجاوز الوثيقتين: وثيقة القاهرة، ووثيقة الوفاق، الوحيدتين الموافق عليهما من كل الأطراف.
لا أرى حالياً أفقاً لإمكانية معالجة موضوع م.ت.ف من كل الأطراف في ظل الانقسام وقبل معالجته، لأن المعالجة تحتاج إلى صفقة شاملة تأخذ بالاعتبار ثلاث شرعيات: شرعية منظمة التحرير ودورها التمثيلي، وشرعية الرئيس المنتخب (أبو مازن)، وشرعية المجلس التشريعي وإعادة الشرعية للضفة وغزة باتفاق شامل يشمل الجميع ويشمل تجديد المنظمة. ولكن في ظل الانقسام لا إمكانية للحديث عن الوصول إلى نتيجة لأن ما تريده حماس هو إسقاط نتائج انتخابات 2006 على المنظمة وهذا غير واقعي وغير موضوعي، والحل هو الانتخابات على أساس التمثيل النسبي ولا يمكن القبول بميثاق إسلامي يخالف طبيعة المنظمة ويخالف طبيعة شعبنا.
عموماً نحن حالياً نعيش ثلاثة أخطار متصلة: أولها، إضعاف دور م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، وثانيها محاولة خلق البديل لمنظمة التحرير عبر إسقاطات سياسية وتركيب المنظمة بمفهوم سياسي فكري مخالف لطبيعتها وطبيعة شعبنا، وأيضاً توظيف المنظمة لخدمة تكتيكات سياسية معينة، ونحن نعالج الأمر في ظل رؤيتنا للأخطار الثلاث وصون م.ت.ف كإطار سياسي وهناك فرق كبير بين الاختلاف في السياسة وتدمير السياسة.
ـ بالانتقال إلى موضوع المحادثات في مصر، هل لك أن تطلعنا على هذه الأجواء وما تم التوصل إليه؟
أولاً يجب التوضيح أن زيارتنا لمصر كانت منفصلة عن هذا الموضوع، فبعد خروجي من الأسر كان لدى الرفاق خطة لزيارة بعض الدول العربية، لذلك كان لنا في مصر موعد محدد مسبقاً ولا علاقة له بمحادثات التهدئة. لكن يبدو أن الأخوة المصريين عندما نضجت الظروف عندهم وقتوا المواعيد لتتلائم مع الجميع.
بالنسبة لنا لم يتم التشاور معنا كجبهة حول التهدئة، بل جرت سلسلة من المفاوضات بين المصريين والإسرائيليين من جهة، وبين مصر وحماس والجهاد ثم مع حماس بشكل مكثف من جهة أخرى. طوال هذه الفترة لم نُستشر لا من حماس ولا من المصريين، وعلمنا أن الحديث يدور حول التهدئة وفك الحصار وجلعاد شاليت.
موقفنا هو أننا لا نعتقد أن التهدئة كسياسة يمكن أن تشكل سياسة لشعب تحت الاحتلال، وبالتالي نعتقد أنه من حق أي شعب تحت الاحتلال أن يدافع عن نفسه، وعليه أعلنا رفضنا للهدنة، لكن من جهة أخرى نحن في ظل وضع فلسطيني معقد وصعب، لن نخرق الاتفاق ولن نكون أداة تعطيل لشعبنا لإمكانية فك الحصار عنه أو تعريض الوحدة الوطنية الاجتماعية للخطر، وقد يكون هناك إشكالية في هذه السياسة ولكن عملياً لسنا بصدد وضع أنفسنا عقبة في وجه فك الحصار عن شعبنا في غزة.
في اللقاء مع المصريين أثيرت نقطة أخرى أنه من ضمن الرؤية المصرية هذه المرحلة ستكون مرحلة أولى في غزة، ثم الضفة، ثم معالجة الوضع الفلسطيني الداخلي، ثم البحث في عملية التسوية. نحن أشرنا بوضوح أننا لا نرى أن التهدئة هي مدخل صحيح وسليم لمعالجة الشأن الفلسطيني، لأن هذا المدخل يعقد الوضع ويدخل العامل الإسرائيلي طرفاً في معالجة الوضع الفلسطيني الداخلي، والمطلوب برأينا معالجة الشأن الفلسطيني قبل أي شيء آخر.
لدينا أيضاً ملاحظات تتعلق بعدم استشارة كل الأطراف المعنية فلسطينياً، ونحن سجلنا ملاحظات نقدية على السياسة المصرية، والأخوة المصريون قالوا أنهم كانوا مضطرين وأنهم يبذلون جهوداً لخدمة الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة.
ـ في هذا السياق كيف تنظر إلى عمليات فرض النظام في الضفة، وقد بدأت في نابلس ثم طولكرم واليوم (4 أيار) في جنين. أين تضع هذه الإجراءات؟
بالتأكيد هذه العملية هي جزء من خارطة الطريق، أي القسم الذي يخص الفلسطينيين طبعاً يجب التعمق في النظر. جزء من هذه الحملة يرحب به الشعب الفلسطيني ونحن منهم لأنه رافق مرحلة الانتفاضة والفترة الأخيرة حالات بلطجة وفلتان أمني و للأمن الداخلي للمواطن. ولكن هذا لا يجب أن يمس حق المناضلين والناس الشرفاء في مقاومة الاحتلال. هذا أرى يجب الانتباه إلى أن هناك تداخل بين الأمن الفلسطيني والإسرائيلي، فهناك فرق كبير بين أن يكون فرض النظام لخدمة المواطن الفلسطيني، أو خدمة إسرائيل.
هذا أمر واقع فمنذ 2002 وعملية السور الواقي واجتياح كل مناطق ومدن الضفة، فإن أسطورة مناطق (أ) و(ب) و(ج) قد تم تدميرها تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية، والآن في ظل خارطة الطريق لا يوجد تقسيم للمناطق، لذلك نحن منذ البداية قلنا أنه لا يمكن وضع خطة أمن بهذه الطريقة، فالتداخل في العمليات يمنع تطبيق أي خطة بجدارة، ووجود الاحتلال كسلطة وحيدة تمنح نفسها حق التدخل في كل المناطق في حين الجانب الفلسطيني يقتصر دوره على القضايا الحياتية.
ـ في ظل حالة الاستقطاب الحاد السياسي كيف ترى تفعيل القطب اليساري، وهل هناك أفق ما؟
دعني أوافقك الرأي أن حدة الاستقطاب كانت من نتائج غياب وحدة القوى الديمقراطية وأن الإطار السياسي الذي يدافع عن أمرين: (المشروع الوطني) و (الحياة الاجتماعية الديمقراطية) للمجتمع.
نحن كجبهة بادرنا بعد عودة الشهيد أبو علي مصطفى البحث الجدي لهذا الموضوع، وطبعاً هذا ليس جديد علينا، فقد أقر في مؤتمراتنا وتحدثنا عن (القطب اليساري). إذن بعد عودة أبو علي بادرنا لبحث تشكيل تجمع يساري ديمقراطي ولم يبق إلا الخطوة الثانية التي يجب أن تطرح مع باقي القوى والشخصيات المعنية، ولكن استشهاد أبو علي أعاق هذا الموضوع. ونحن نعيش هذا ولو تابع هذا التيار مسيرته لتجنبنا حالة الاستقطاب، ولكن الواقع الفلسطيني أمام ثلاث مكونات وليس مكونين اثنين.
منذ صيف العام الماضي أعدنا بحث الموضوع وبدأنا البحث في رام الله مع الرفاق في الجبهة الديمقراطية، والرفاق في حزب الشعب، وفدا واعتبرنا هذا كبداية، أي أن هذه القوى لوحدها لا تمثل الجميع في اليسار الديمقراطي. نحن نريد حركة شعبية فلسطينية تؤطر لهذا التيار الواسع، اليساري والديمقراطي للدفاع عن أمرين: الأول المشروع الوطني المهدد من إسرائيل والانقسام، والثاني تراجع الحالة الديمقراطية في فلسطين وفي غزة تحديداً حيث سُعي لأسلمة المجتمع والضفة حيث هناك قمع وممارسات قمعية، وبالتالي نتوجه لبلورة هذا التيار، ونحن نطمح كجبهة لإنضاج هذا الأمر تدريجياً انطلاقاً من رؤيتنا السابقة لحركة الواقع واستعداد القوى المعنية، ولكن هذا الموضوع هام وضروري أيضاً للأسباب التالية: السبب الوطني الفلسطيني، فنحن نرى أن هذه القوى مهما تباينت مواقفها هي أقرب لمواقف سياسية تحمي المشروع الوطني منها لأي طرف آخر. والثاني أنها أقرب لمواقف بعضها البعض من القضايا الديمقراطية الاجتماعية من أي طرف آخر. لهذا نرى أن هذا التيار سيكون نواة يسارية بالضرورة لكن هذا لا يكفي، لبناء تيار واسع ديمقراطي قد تدخل معه عناصر مختلفة قد تكون ليبرالية ديمقراطية، أو اجتماعية،أو نسوية، أو حقوقية وغيرها من الأطر والتيارات.
والمهم هو الدور الوظيفي الذي سيقوم به مثل هذا التجمع والإسراع لإخراجه للواجهة، ونحن نرى هذا جزء من مهماتنا وإستراتيجيتنا كجبهة وقد أقرينا في المؤتمر السادس بطبيعة المرحلة كمرحلة تحرر وطني وديمقراطي أيضاً.
ـ أين تكمن مشكلة مثل هذا التيار في البحث عن وظيفة، أم في بنية القوى، أم خلافاتها الفئوية، أم في البعد الجماهيري لها؟
للأسف كل ما قلته هي عوامل تلعب دوراً في إعاقة تشكيل القطب اليساري الديمقراطي، ولكن أثبتت التجربة أن لا أحد لوحده قادر على تشكيل هذا التيار لذلك يجب توحيد هذه القوى والعمل معاً، بشكل متدرج وبغض النظر عن الآليات.
كل المشاكل المطروحة في السؤال واردة، ولكن من يريد أن يكون في موقع الدفاع عن المشروع الوطني الذي تتهدده مخاطر كبيرة وعن المجتمع الديمقراطي أن ينحاز لهذا الخيار.
أعتقد أن هناك فرصة لليسار عليه أن يغتنمها، هل يفعل أم لا، هذا هو السؤال ويجب أن أؤكد أن هذا القطب ليس بديلاً لأحد، فلا أحد يكون بديلاً لأحد لكن المسألة هي انتصار مشروع سياسي معين على آخر.
ـ على ضوء هذه النظرة المعمقة للواقع الفلسطيني التي أضأت عليها في هذا الحوار، ما هي آفاق العمل القادمة بالنسبة لكم؟
نحن نعمل وفق خطوط محددة تالية:
1- صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، هذه أولوية في ظل تزايد نزعة يهودية الدولة والحديث عن الخطر الديمغرافي الفلسطيني.
2- الإسراع قدر الإمكان في استعادة الوحدة وهو موضوع هام ودائم ويحتاج لاهتمام من كل الأطراف، لأن استمرار الانقسام يشكل خطراً على المشروع الوطني وقد يُراكم حسابات خاصة تجعل منه واقعاً يصعب تجاوزه.
3- صون الكيان السياسي الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير، قد يعاني هذا الكيان من مشاكل وتراجع، ولكن لا بديل عنه ففي إطاره تحددت الهوية الوطنية والبرنامج الوطني واجتمع في ظلالها الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده.
4- حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ومن حقه وواجبه البحث عن انهاء الاحتلال. أما أساليب النضال فهذه تخضع للبرنامج السياسي واللحظة السياسية ويجب التفريق بين الحق كثابت والأسلوب كمتغير.
5- نحن نولي أهمية خاصة لليسار لأن بروز قطب يساري يقود حركة شعبية واسعة مسألة ضرورية من الزاوية الوطنية والاجتماعية والديمقراطية.
6- نحن نبذل جهوداً لمحاولة صون العامل العربي في دعم الشعب الفلسطيني لأننا ما زلنا نرى أن قضية الشعب الفلسطيني بقدر ما هي قضية فلسطينية إسرائيلية هي أيضاً عربية إسرائيلية وأيضاً قضية الديمقراطيين والتقدميين في العالم ضد إسرائيل.
هذه هي الخطوط التي نعمل عليها ونأمل أن ننجح فيها.
ـ السؤال الأخير حول تجربة الاعتقال وواقع الأسرى؟
تجربة الاعتقال تجربة غنية تختمر الكثير من الدروس والعبر لكل المناضلين وتصيغ نمطاً جديداً من العلاقات الاجتماعية والإنسانية تختلف لأن الجميع متساوً أمام السجان.
هناك (750 ألف من الفلسطينيين دخلوا السجون) ويوجد من دخل عامه 31 (يوسف العتبة وسمير قنطار (30 سنة)، وأعداد كبيرة من المرضى والفتيات والأطفال وهناك تمييز مؤذٍ بين القدس و48 والجولان والضفة والقطاع ومحاولات تجزئة حق السجين وهناك عدد من القادة الكبار أحمد سعدات، ومروان البرغوثي، وعزيز دويك ويقوموا بدورهم في المعتقل والخارج.
قضية المعتقلين قضية وطنية كبيرة، ويجب التعامل معها كقضية كبيرة. الحركة الفلسطينية طوال الأربعين سنة لم تفلح في تثبيت حقيقة أن السجين الفلسطيني هو أسير حرية، بينما إسرائيل تتعامل معه كسجين أمني ولم يعامل أبداً بموجب اتفاقية جنيف حتى بعد اعتراف إسرائيل بـ م.ت.ف لم يجر التعامل معه كسجين حرية مما يتطلب حرص المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية على العمل الدؤوب لإعادة الاعتبار لقضية الأسرى، باعتبارها قضية سياسية وإنسانية، والتركيز عليه كأولوية على مستوى المؤسسات المعنية لتطبيق اتفاقية جنيف.
طبعاً ما دام الاحتلال قائم والمقاومة مستمرة ولم يحل الصراع بما يرضي شعبنا ستبقى قضية الاحتلال والأسر مستمرة كثنائية علينا حفظ دور الأسرى ومكانتهم في القرار السياسي وأذكر أنه كان لهم دور أساسي في المشاركة وتقديم رؤية سياسية متكاملة لكل ما تواجهه الساحة الوطنية في وثيقة الأسرى وهذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها الحركة الأسيرة رؤيا سياسية بمعزل عن الانتماء التنظيمي، ويجب أن نحافظ على هذا الدور.