منتديات انتفاضة فلسطبن  

::خريطة الموقع ::

الرئيسية الصفحة الاخبارية مكتبة الاناشيد الثورية معجم اللغات مركز تحميل الصور أتصل بنا تسجيل الخروج

   منتديات انتفاضة فلسطين



العودة   منتديات انتفاضة فلسطين > المنتديات الوطنية > منتدى كواكب شهداء فلسطين

اخر المشاركات التي تم طرحها في: منتديات انتفاضة فلسطين
عنوان الموضوع كاتب الموضوع اخر مُشارك المشاهدات عدد الردود
كتاب - أوروبا وجراح الأمم‏ dani dani 4 3
واجهة فلسطينية و لا أروع ياسين لطفي الياسيني 77 8
أفغانستان qwerty qwerty 3578 293
العراق qwerty qwerty 4862 462
مدينة بابل الاثرية بنت فلسطيـن qwerty 27 4
شكرا أيتها الجماهيرية dani dani 25 6
طريقة تركيب خلفيات متحركة لمجموعات الاعضاء ياسين ياسين 59 4
ستايل فلسطين %100 احترافي ياسين ياسين 19 4
تعال لااحكيلك شغلة....بتحب القراءة؟ شو الكتاب الي عم تقراه ه... ابوليث ENANA 717 85
أغلى 5 هواتف محمولة في العالم dani dani 50 8
أتصمت العصافير / خليف محفوظ ENANA ENANA 6 1
هل زرتم غرفة غسيل الأموات من قبل ؟؟ بنت فلسطيـن بنت فلسطيـن 2 0
لا للأعتقال السياسي لطلبة جامعة النجاح ..... ابو الرامز hok 157 19
زوايه الكاركاتير اليومي داليدا د. سارة 4480 257
شيخ الأزهر يصافح المجرم بيريز بكل مودة في حوار الأديـان الذي... Lail ELjalil د. سارة 21 3
نصائح طبية،، لمن ينوي أداء فريضة الحج د. سارة د. سارة 33 7
اهداءاتنا في العيد : لمن نحبهم ؛ ( زهرة فلسطين ) ( زهرة فلسطين ) 23 5
تمتعـ بدنيـآك , انسـى مآ مضى .. } ~ جنين الجنائن جنين الجنائن 75 6
شعب العراق مفجر الثورات / شعر لطفي الياسيني لطفي الياسيني لطفي الياسيني 4 0
وصية كلها حكم ابن العاصفة ابن العاصفة 6 0


منتدى كواكب شهداء فلسطين خاص بكل ما يتعلق بشهداء فلسطين ... فلسطينيين وعرباً وغيرهم

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 12-17-2005, 04:05 PM   رقم المشاركة : 1

::مراقـــب المنتديات الوطنية ::

 
الصورة الرمزية أبـو عـمّـار





أبـو عـمّـار غير متواجد حالياً

أبـو عـمّـار عضـو نشيط

عـشـاق الـحـور

عشــاق الـحـور






معا على الطريق
أبو عثمان وأبو حمزة

مضيتما إلى الله والقلوب معلقة بكما, ما من لسان إلا ويلهج بالثناء, ما من فؤاد إلا ويشعر بالوفاء, ما من نفس الا وملؤها الرجاء أن يجمعها الله بكما في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين0
أما أنت يا أبا عثمان00 فالذي يشد القلب إليك مزايا كثيرة00 الحياء الجم والرجولة المادقة, والأدب الرفيع والحرص على معرفة الحكم الشرعي, خاصة لقمة الحلال, ولقد وجدت (غالبا ) أن الحياء والرجولة والكرم صفات متلاصقة لا تراها مفترقة0
حيثما رأيته وأن ى لقيته كنت أجده يحمل في يمينه كتابا به يدرس00 كتابا من كتب العلم القديمة النافعة, عظيمة الفائدة00 كان يبحث عن الأصول ويغوص إلى الأغوار يستخرج كنوز الدقائق من البحر الرائق, أو يأخذ التهذيب من المذهب ويجمع العلم من شرحه المجموع00 وتراه شغوفا بكتب الشافعية وبأبي إسحاق الشيرازي تأثرا بشيخه في الفقه محمد حسن هيتو الذي كان قد قدم رسالة الدكتوراه في أبي إسحاق الشيرازي في الأصول0
وكان يبحث عن العلم الحقيقي, ولا يريد الشهادة بكرتونتها00 ولقد سجل الدكتوراه في جامعة السند ولكنه كان يبحث عن بحر للعلم أعمق فاستشارني أن يسجل البحث في ندوة العلماء في الهند وشجعته على هذا, وشد مئزره وحزم أمتعته وكان يعد العدة لرحلة الهند حيث يتلقى العلم على يد بقية السلف -فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي- ولكن سبقت رحلة الهند رحلة الأبد إلى الله, وكانت الشهادة الكبرى التي فتحت بها أبواب السموات كما وعد الله, ولن يخلف الله وعده ونرجو الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله ونلتقي بك يا أبا عثمان في الملأ الأعلى0
أما أنت يا أبا حمزة فرغم حداثة سنك -كنت كبيرا في القلوب- إن كنت أنسى فلا أنسى تلك الصورة التي قابلتك بها لأول مرة في بيتي في إسلام آباد -شاب يميل إلى الطول- أسمر, لعينيه بريق, نحيف, ودخل البيت وجلس بحياء شديد في إحدى زواياه, وقدم نفسه إلي0
لقد قدمت من يوغوسلافيا -كنت أدرس الهندسة فيها- فتركت الدراسة طمعا في الجهاد والإستشهاد, ثم وصل إلى بدر0
كنت كلما زرت مخيم بدر أجد هذا الشاب النشيط الذي اختلط مع الأفغان يخدمهم ويستفيد من كل دقيقة من حياته, سألت عنه من حوله فانطلقت الأفواه تثني عليه كان الكل مجمعا أن أبا حمزة أول عربي مسلم يختلط بالأفغان هذا الإختلاط ويعيش صابرا على لأواء حياتهم وشدة ظروفهم وخشونة طعامهم ولباسهم0
كنت أدخل فأراه يقوم من بيننا ويعود بعدها يحمل الطعام أو الشاي يقدمه لنا ثم يجلس بأدب ينتظر إنتهاء الطعام ليرفعه ويغسله0
كان كل واحد ممن حوله يستحي منه بسبب تفانيه في خدمة إخوانه -استمعت إليه القرآن فوجدته يتقن أحكام التجويد- فسألته: أو تحفظ شيئا من القرآن? فقال: لقد كنت أحفظ القرآن على يد شيخنا محمد قاسم شاور, في منطقة رام الله ففرحت كثيرا 0
ثم مضى أبو حمزة ألى ربه هكذا, كالبرق الخاطف افتقدناه من بيننا فافتقدنا أخا حبيبا , ومجاهدا صادقا , ورجلا صامتا قلما يجود الدهر بمثله0
إن الشهادة درجة عالية لا يهبها الله إلا لمن يستحقها إنها اختيار من العلي الأعلى للصفوة من البشر ليعيشوا مع الملأ الأعلى (ويتخذ منكم شهداء), إنها اختيار واتخاذ واصطفاء للأفذاذ من البشر ليكونو ا في صحبة الأنبياء (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)0
مضى كل منهما إلى ربه رافع الرأس, ناصع الجبين بعد أن بلغ الشهادة في الأرض ونال الشهادة في السماء0
يا رب قد أخلصتهم فنجوا فمتى تمن علي يا ربي
مضيتما كلمح البصر وتركتما حسرة الفراق في القلوب ونلتما إن شاء الله فرحة اللقاء بعلام الغيوب0
ونردد أخيرا الأبيات التي رددتها أم المؤمنين عا ئشة -رضي الله عنها- على قبر أخيها عبد الرحمن -رضي الله عنه-:
وكنا كندماني جذامة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني وم—الكا لطول أجتماع لم نبت ليلة مع-ا
اللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص واجمعنا مع أبي عثمان وأبي حمزة في الصالحين0
آمين000 آمين000 آمين000
تهنئة شهيدين:
تحية وفاء, وتهنئة ورثاء إلى الشهيدين الأخوين (أبي عثمان وأبي حمزة)0
من أخيكم في الله محمد إسماعيل -قائد الولايات التسعة الجنوبية الغربية- قال تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون)0
إخواننا المجاهدين وجميع منسوبي ومحبي شهدائنا العظام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
إن كافة أعضاء ومنسوبي الإمارة العامة, والقيادة العامة للقوات المسلحة في هرات, يهنئون ويباركون شهادة إخوانهم أبناء مدرسة الإسلام وعاشقي الشهادة في سبيل القرآن وعلى رأس هؤلاء الشهداء الأخوان الشجاعان البطلان أبو حمزة وأبو عثمان رحمهما الله0
والتلميذان المخلصان اللذان جاءا الزيارة اخوانهم المجاهدين في هرات نبعث إليكم وإلى أقربائهما وإلى كافة محبيهما ومنسوبيهما أحر التهاني, ونسأل الله للجميع الصبر الجميل ولكافة شهدائنا الأجر الجزيل0
أخوكم في الله
العقيد محمد إسماعيل

وداعا يا يحيى
(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)
هذه الكلمات الأخيرة التي ودعت بها الحياة في رسالة وجدناها في جيبك قال رفيق رحلتك والذي لفظت أنفاسك الأخيرة ورأسك علي صدره أقول: قال لي محمد أمين محدثا : لقد كتبها يحيى أخر ليلة عاشها فوق هذه الأرض0
كل شيء كان يلقي في روعك أنك مقبل على الشهادة, ولطالما أقسمت يا يحيى لإخوانك الذين يشاركونك آلام الطريق البذل والتضحية والعرق والدم تحت أزير الرصاص ودوي المدافع لتوقظوا أمة دب الوهن في أعماقها, وأصبحت لا تغفو إلا على مواطئ كل جبار غشوم, وإذا صحت فعلى خطى الذل خاشعة الرسوم0
لطالما أقسمت لهم أنك شهيد, وهم يقولون لك: يا يحيى لا تزك نفسك وأنت تقول معاذ الله أن أزكي نفسي, ولكنه احساسي الذي أشعر به في أعماقي0
كانت ليلة عرفة والروس قد أقبلوا عليكم من فوقكم ومن أسفل منكم وبلغت القلوب الحناجر, فقمت مع إخوانك للسحور من أجل صيام عرفة في أرض المعركة لأن صيام عرفة يكفر عامين, فكيف صيام عرفة تحت الحمم المتناثرة من السماء كأنها وابل المطر, فهذا لاشك أن أجره أعظم بكثير, وفي الحديث الصحيح من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خندقا 0
فصاح إخوانك يا يحيى لندرك السحور فقلت لهم: أنا ذاهب للإستحمام ثم استدركت قائلا : والله ما بي من جنابة ولكني أستحم لاستقبال الحورية التي رأيتها في المنام, إذ أنني لم أر في حياتي امرأة في منامي, وهذه الليلة أقبلت الى بدلها ودلالها وجمالها ووضاءتها ودعج عيونها, إنها الحورية!!
وانتهت معركة جاجي ولم تحظ يا يحيى بالشهادة وأخذ الإخوة يمازحونك قائلين: أين ذهبت الحورية, وأنت تصر على قدومها0
حدثني أحد الإخوة العرب قائلا : لقد وقف يحيى على قبور الشهداء العرب الثلاثة التي تحتل قمة جاجي فأخذ يخاطبهم قائلا : عما قليل أنا قادم إليكم بإذن الله0
وجاء اليوم السابع من محرم الموافق لليوم الثالث والعشرين من أيلول وكنت على موعد مع الشهادة التي ما فتئت تتمناها صباح مساء وعلى يد مجموعة من عملاء الشيوعية, الذين فتحوا رشاشاتهم عليك على أبواب جاجي, ففزت بها وربحت البيع -إن شاء الله- يا يحيى, وبدأ الدم الزكي يتدفق وما بقي أحد ممن مس جسدك أو تضمخ بقطرة من دمك إلا والمسك يعبق في أنفه, حتى صار كل من حضر جنازتك يتساءل لم نشهد في حياتنا ولم نشم رائحة أزكى ولا أطيب من هذه0
حدثني أبو الحسن المقدسي قائلا : لقد شممت أنا وأبو معاذ دم الشهيد على بعد خمسمائة متر وهو في السيارة التي تقله نحو مثواه الأخير, إلى الحضرة التي سعدت بضم جسده الطاهر والتي نرجو أن تكون روضة من رياض الجنة0
وحدث الدكتور أحمد قائلا : لقد تلقيت كثيرا من الشهداء فما شممت رائحة أطيب, ولا أزكى من هذه الرائحة, وحدثني الدكتور أبو محمد: لقد دخلت الغرفة التي سجي فيها يحيى في المستشفى بعد ثلاثة أيام وإذا رائحة المسك تنبعث في أرجائها, وحدثني أبو حمزة قائلا: لقد بادرتني زوجتي بعد عودتي من الجنازة أي عطر هذا الذي نشمه لقد بلغت عزاء لا يقرع الدهر مروءته ولا يفصم عروته, لا ينقص مرته, ولم تلن قناتك لغامز, وأبيت أن تستباح الذمار أو يوطأ الحمى أو تداس الحوزة, فلم تصبر علي خسف ولم تقم علي مذلة لقد أقبلت على الله رابط الجأش ثبت الجنان صلب العود شديد الشكيمة0
لقد كنت تحب وردك (ولاية في أفغانستان) لأنك طفتها بكاملها! ولم تدع مستقرا للمجاهدين فيها أو تجمع لهم إلا ودخلته وتعرفت عليه, ونقلت حاجاتهم وضروراتهم من أجل سد نقصهم وخلتهم, ولذا كنت تطلق على نفسك عبد الرحمن عبد الكبير الوردكي0
وهكذا وبلمح البصر مضى يحيى إلى ربه نرجو الله يقر عينه بمقعد صدق عند مليك مقتدر0
لم تكن أيامك طويلة بيننا يا ابن العشرين عاما , ومضت روحك لتترك في الدنيا مجدا وعزا مؤثلا ولسان صدق فوق هذه الأرض ونرجو الله أن يكون حبورك وسرورك أعظم بلقائك مع الملأ الأعلى0
وندعو الله عز وجل أن يحيينا سعداء ويميتنا شهداء, وأن يحشرنا في حضرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم, وندعو الله عز وجل أن يعوضنا عنك خيرا وأن يجعل أمك وأباك وإخوانك يحتسبوك عند خالقهم, ونبتهل إليه تعالى أن تكون شفيعا لهم يوم القيامة000
وختاما نردد الذكر الحكيم نديا : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)0
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك0
أخوك أبو محمد
الرسالة الأخيرة من الشهيد يحيى سنيور:
المجاهد المسلم يعرف هدفه جيدا , ولذلك تراه يسير على بصيرة من أمره, و يمشي بخطى ثابتة لا يعرف التراجع00 و لا يعبأ بالمحن و العقبات بل يجد فيها غاية راحته لأنها في سبيل الله: ومن يقف آثار النبيين لم يسل على الشوك يمشي أم على الشفرات
و الرسالة الأخيرة التي خطها الشهيد الحي لأهله أكبر دليل على صدق ما ذهبنا إليه, فاستمع إليه و هو يقول: (أنا هنا00 رغم الطائرات, رغم الدبابات, رغم القصف المستمر ليلا ونهارا , ورغم البرد الشديد, ورغم الجوع, إلا أني في قمة السعادة وراحة الضمير, لأني أشعر أني أفعل أحب الأعمال إلى الله, وأن الله لا يضيع أجر العاملين, وهذا الجهاد هو الوحيد الذي يستطيع به الإنسان أن يقدم أعمالا ترضي الله وترجع لهذه الأمة أمجادها)0

بوابة المجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا وبعد0
فلقد شاءت إرادة الله أن تحيا الأمم بالنماذج الفذة, وأن تبنى الأمجاد بالقمم, وأن تنصر المبادئ بتضحيات الأفراد الأفذاذ هؤلاء الأفراد يكونون غرباء في مجتمعاتهم ولكن المجتمعات بهم تحفظ وبأمثالهم تنصر وترزق0
هؤلاء الأذكياء لأنهم عرفوا طريقهم إلى الله وإن كان غيرهم يرثي لحالهم ويسخر من تفكيرهم, هم السادة وإن كان أهل الدنيا المحرومون من لذة العيش الحق يردون هؤلاء عن أبوابهم ويدفعونهم من مجالسهم0
هم القادة لأنهم يملكون نياط القلوب ويأسرون الأفئدة بحبهم, وقادة الدنيا هم المنبوذون حقا لأنهم كما قالت أم هارون الرشيد عندما رأت الآلاف المؤلفة تجتمع حول رجل فقالت: من هذا?
قالوا: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان, فقالت: هؤلاء هم الملوك وليس أمثال هارون الذي لا يستقبل الناس إلا بجنود وشرط0
هم الملوك كما قال ابن المبارك عندما سئل من الملوك? قال: هم الزهاد, فقيل له: فمن السفلة? فقال: هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم0
هم الذين يخطون تاريخ الأمم: لأن صروح المجد لا تبنى إلا بالجماجم والأشلاء, هم الذين يحفظون شجرة هذا الدين من أن تضمحل أو تذوي لأن شجرة هذا الدين لا تروى إلا بالدماء, هم الخالدون بذكرهم في الأرض والسماء: لأن بذكرهم تحيا القلوب وإذا رووا ذكر الله0
وفوق هذا كله جنة عرضها السماوات والأرض تنتظرهم, وحور تشتاق للقائهم وتتحرق للقرب منهم0
هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله يأتون في المرتبة بعد النبيين والصديقين, بل تمنى رسول الله صلى عليه وسلم الشهادة في سبيل الله0
ففي الصحيحين (والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحياء ثم أقتل) وفي الصحيحين لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها .
وفي البخاري: طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن أستأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع 0
وتلاحظ العبارة النبوية الكريمة إن كان في الحراسة كان في الحراسة: أي حيثما أقامه الأمير أقام وحيث أمره أن يبقى لزم مكانه وصبر والأحاديث في فضل المجاهد كثيرة لا نستطيع أن نلم بها في هذه العجالة وقد شهد له الرسول ص بأنه خير الناس: ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله تعالى فيها ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به) رواه مالك والترمذي والنسائي0
هؤلاء يقتلون لتحيا أممهم ويحيون هم أنفسهم هؤلاء عشاق الموت لتوهب لهم الحياة وكما أخبرنا نبينا ص عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة, فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة أخرجه البخاري تعليقا 0
هؤلاء يبحثون عن الموت وكما قال ص في صحيح مسلم: ( ن خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه 0
ولتلاحظ معي: ممسك بعنان فرسه فهو لا يرخي العنان كناية عن تمام استعداده يطير على متنه: فهو في سرعة استجابته كالطير لا يركض ولا يسرع فقط بل يطير طيرانا 0
كلما سمع هيعة: أي فزعة ترعب الأمة وترهبها فهو يفزع ويسرع ويهرع من أجل أمن الأمة واطمئنانها0
يبتغي الموت مظانه : أي حيثما ظن مكان الموت أسرع اليه ومضى مسرعا يطلب الموت0
ومن هؤلاء إن شاء الله شهداؤنا الذين مضوا بعد أن بلغوا أمتهم ومجتمعهم وأسرهم واجباتهم بالدم لا بالمداد, إن المبادئ أثمن من الحياة وإن العقائد أثمن من الأجساد وإن القيم أعظم من الأرواح0
ورأيت معظم الشهداء الذين عشت معهم تجمعهم صفات على رأسها:
1- حفظ اللسان عن المسلمين.
2- سلامة الصدر على المسلمين .
3- العمل بصمت والبعد عن ضجيج الإعلام .
4- طاعة الأمير -إن كان في الساقة كان في الساقة-.
5- قلة النقاش فيما يوجهون إليه.
6- الحياء الجم والأدب الرفيع والإحترام الشديد للعلماء والكبار والمسؤولين.
7- الحرص الشديد على البقاء داخل الجبهة والنفور من جو الراحة والدعة والإستقرار0
8- ألسنتهم لا تلهج إلا بذكر محاسن المسلمين ولا يرون للجبهات ولا للمجاهدين إلا فضلا عليهم, ويرون أنفسهم صغارا بجانب هؤلاء الذين صمدوا صمود ا تنوء به الراسيات, ورحم الله امرءا عرف حده فوقف عند ه0
من هؤلاء عرفت:
• أبا حمزة (ماهر شلبك) عمل بصمت وبأدب رفيع وحياء وأحب الأفغان وأحبوه فاختاره الله شهيدا بينهم0
• أبو عثمان (عبد الله الفيلكاوي) لا يعرف النقاش, سألني سؤالا واحدا ما عقب عليه ما رأيك أذهب أم أبقى? فأشرت إليه بالذهاب فلم يلفظ ببنت شفته ومضى في رحلته وإلى الأبد0
• يحيى كان فرحا بما يوكل إليه من أعمال سعيدا بتنفيذ الأوامر مع سلامة صدر ومرح برئ ومزاح مؤدب فاختاره الله0
أما شهيدنا اليوم فهو:
الشهيد عبد الوهاب بن عبدالله بن سعيد
هجر الدنيا وعاف المقام بين أعطاف النعيم استقال من وظيفته وهومن أسرة ذات منزلة اجتماعية وثراء لا بأس به أدبه رفيع حتى بت أتساءل: كيف يربى هؤلاء?
من أين لهم هذا الحياء الجم? كيف نال هؤلاء هذه الدرجة من الحرص على الجهاد والطاعة والإنضباط مع الأدب والتنفيذ والعمل?
قابلته منذ عام فقال: علمت أن الجهاد فرض عين فنفرت في سبيل الله لا إذن لأحد علي وقد حسمت القضية في قلبي وذهني0
كان يتحرق على المسلمين ويتأرق لمصائبهم, لقد أقض انتهاك الحرمات جنبه فجافى مضجعه وأقبل بكله ونفسه وقلبه على الجهاد0
طلب الموت مظانه: من جاجي -بكتيا, لوجر, كونر, ننجرهار- وأخيرا كان اللقاء مع الشهادة في -شلمان- على أرض ننجرهار0
صامت لو تكلما لفظ النار والدما قل لمن عاب صمته خلق الحزم أبكما
وصية الشهيد عبد الوهاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى0
هذه وصيتي أنا عبد الوهاب بن عبد الله بن سعيد الردة من المملكة العربية السعودية0
• مالي وملابسي في قسم الأمانات هنا تعطى للمجاهدين أو المهاجرين فور استشهادي0
• إلى الوالدة والإخوان والأخوات: لن أطيل الكلام وأنتم بالتالي يجب أن لا تكثروا الملام00 أنا لم أجاهد في أفغانستان بنفسي ومالي إلا باقتناعي التام بأن الجهاد فرض عين, ولهذا أقدمت على الجهاد طائعا مختارا 0
• إلى بنتي: لقد عاش أبوك وحيدا وغريبا برغم كثرة المال والأهل والخلان ولكني كنت بفكر متميز وصاحب مبادئ و قيم لم أتنازل عنها أبدا ولذلك جفاني الناس وجفاهم فكري, ومن أفكاري وما أنا عليه يا عزيزتي: أن الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف وأني لا ألدغ من جحر مرتين0
إنني أكره الطواغيت وأحاربهم بقلمي ولساني وقلبي هم وأتباعهم وألعنهم صباحا ومساء وكل يوم لأنهم00000
عزيزة نفسي من غير كبر إن شاء الله, شاعر عنيد وومجاهد صنديد0
عيشي هنيئة وموتي شهيدة كوني مؤمنة صابرة مجاهدة بكل ما أوتيت من وسائل واعلمي سبب وجودك في الحياة واعملي به واحفظي كتاب ربك وإلى اللقاء في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر0
• إلى إخواني في الله في كل مكان: كثير من الناس من يتخذ الحياة طريقا إلى الموت وأنا اخترت الموت طريقا إلى الحياة0
عليكم جميعا التمسك بالإسلام قولا وعملا وحركة وجهادا , والإسلام ليس كما يتصوره البعض ركيعات في المسجد ولكنه دين شامل0
كفاكم غواية إبليس وشهوات أنفسكم ومكر الطواغيت بكم وضحك الشرق والغرب عليكم.
• العنوا الطواغيت وعادوهم بكل ما أوتيتم من قوة هم وأذنابهم من حثالة البشر ولعنة الله على الظالمين0
الوصية الشرعية:
أوصي بثلث مالي أن يعطى للمجاهدين فى أفغانستان عن طريق أميرهم الشيخ عبد رب الرسول سياف0
والباقي يقسم قسمة شرعية واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون, فالنصف لابنتي والسدس لأمي والباقي يوزع على إخواني وأخواتي0
اللهم إني عفوت ما بيني وبين الناس فاعف ما بيني وبينك0
رسالة الشهيد عبد الوهاب إلى والدته:
الحمد لله مالك الملك وجبار السماوات والأرض العزيز القدير والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وعلي من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
والدتي العزيزة00 إني أكتب هذه الكلمات وأنا أؤمن بقضاء الله وقدره فحياتي جرت كما تعلمين غريبة عجيبة بالآمها وآمالها وحلوها ومرها حتى انتهى بي المطاف هنا وما أدراك ما هنا?
هنا عبادة فرضها ربي علينا من زمان وأضعناها وعادت اليوم الفريضة الغائبة فجزى الله خيرا الرجال الذين أعادوها والرجال الذين قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله وعلى درب الجهاد نلتقي00
أمي يا ست الحبايب, والله لست بقاس ولست بعاق ولست ساذجا ولست بمعقد وليس بي ضلالة000 أنا آسف على عدم ملاطفتكم ومجاملتكم أنت وإخواني وأخواتي والأصدقاء, ولكن هذا ليس بيدي فالطامة كبيرة والحدث عظيم, الإسلام يدمر والأعراض تنتهك والحرمات تدنس وكرامة المسلم وحريته أبيدت والجميع صامت كالإعلام العربي العميل الجميع يأكل ويشرب ليعيش ويعيش ليموت بئست الحياة, أما أنا وغيري من أقراني وإخواني في الله بذلنا وسنبذل كل ما في وسعنا لإعلاء كلمة الله خفاقة في مشارق الأرض ومغاربها بإذن الله تعالى أو ترق منا الدماء مقبلين غير مدبرين, فمن كان هذا فكره لا تلوموه على عدم ضحكه وعدم ملاطفته فجراح الأمة أثقلتنا ولهذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان ولكن لا بأس علينا نحن سعداء جدا في هذا الطريق, عندي كلام كثير وددت أن أقوله ولكن أرجو من الله أن أكون باستشهادي قد قلت كل ما عندي ولا أبالي0
والدتي, إخواني, أخواتي, أقاربي, ابنتي, إخواني في الله مع كل خشوع وتفكر بآية قرآنية أو ذكر شهداء أو شهادة اذكروني ومع كل إشراقه نهار جديد اذكروني ومع كل000 ومع كل موجة من التيار الإسلامي اذكروني واعتبروا يا أولي الأبصار0 لقد عجزت عن التفكير وقد يخونني التعبير ومع ذلك لا أبالي وسأمضي إلى حيث أخوتي الشهداء وإلى يحيى وسنكون جميعا في ضيافة الكريم عز وجل, فقد رحب بنا في ديننا عندما أكرمنا بدينه ويكرمنا في أخرانا بإذنه سبحانه وتعالى فالى لقاء هناك وما أدراك ما هناك? حيث الرضوان والنعيم والجمال والخلد فلا إله إلا الله والله اكبر.
الشهيد الذي لم يستشهد بعد وهو عند الله شهيد
عبد الوهاب عبد الله

الشهيد عبد الصمد مفتاح
فهو من النماذج: أد ب, صمت, وعمل, لا يعرف الكلام, طاعة لا يخالطها نقاش, تصميم لا يمازجه تلعثم ولا تردد كان لسان حاله يقول:
إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا
سألني في الصيف ما حكم الجهاد? قلت: فرض عين, فقال: إذن نزول بلا رحيل هنا طاب المقام فالحياة حياتكم والممات مماتكم0
وهو وحيد أمه ولقد ذرفت عيني عندما اطلعت على رسالتها بالأمس وهي تناشده بحنانها وعطفها وفؤادها وأعصابها تناشده الرحلة أن يرجع وأن لا يدعها تموت شوقا إليه وجوى عليه.
وفي (شلمان) جرح وفي (ورسك) ثوى في مرقده الهادئ بجانب الشهداء حوله حتى يبعث معهم -إن شاء الله- يوم القيامة.
وأما الشهيد....... فنكف عن الكلام عنه وإن كان في النفس كلام كثير أتحرق لذكره لأنه نموذج فذ ما تفتحت عيناي على شاب ممن مضوا على هذا الطريق ممثله.
نكف عن الكلام عنه لأنه أوحى أن لا يشار إليه بتصريح ولا تلميح فاحتراما لوصيته نمسك ألسنتنا وأخيرا حق لنا أن نقول: (هذا شلمان جبل نحبه ويحبنا).
وفي النفس حاجات وفيك فطانة, ونرجو الله أن يجمعنا بهم في الجنة0
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
رسالة الشهيد عبد الصمد إلى أهله:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى والدي الأعزاء:
من ابنكم الفقير إلى رحمة الله وعفوه (الخميس (4) يوليو (1985 م)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خير الأنام, أما بعد:
إليكم أحر سلام وأقول لكم عيد مبارك إن شاء الله, وأسأل الله تعالى أن يعيده عليكم كل سنة وأنتم بخير وفي صحة وعافية0
وأتاسف على هذا التأخر في إرسال الرسائل إليكم واعذروني على ذلك لأنني كنت في شغل بعيد عن البريد وهذا الشغل هو جدا هام, وهو أنبل من حياتي, معذرة مرة أخرى وأقول لكم لا تحزنوا ولا تهنوا وارفعوا رؤوسكم وقولوا الحمد لله هو نفس الذي خلقكم من أجل أن تعبدوه وأنا خلقني من أجل أن أعبده ولقد بعت نفسي لله رب العلمين0
سبحان الله في هذه الدقيقة وأنا حامل القلم لكتابة هذه الرسالة فإذا بأمر ياتيني في هذه الدقيقة بالذهاب إلى منطقة من المناطق الربانية لأداء واجب من الواجبات, الرجاء من الجميع السماح والدعاء0
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين0
أبو سلمان (51/8/1405ه-)



خاطر في أفغانستان
بسحنته الصعيدية وسمته المصري ذي السمرة المائلة إلى الدكنة قابلته لأول مرة والسيارة تقلنا تنهب الأرض نحو(كونر) إنه الأخ حمدي البنا أول شهيد مصري فوق أرض أفغانستان, كان صامتا لايتكلم إلا بقدر ينبئك صمته عن ليث يغلي صدره كالمرجل حزنا على الآم المسلمين ومشاكلهم0
سألته ممن الرجل? قال: من مصر اسمي حمدي, وفي حوار مؤدب عرفت أنه مهندس تخرج من مصر ثم واصل دراسته في لندن ولم يكمل دراسته العليا هناك وعاد إلى مصر ولم يطق العيش متنعما بين أعطاف الترف وألوان المطاعم والمشارب فقرر أن يخلع ربقة الدنيا من عنقه وأن يدوس على ترفها ويمم وجهه شطر أفغانستان, وبدأ يطلب الموت مظانه محاولا تمثل الحديث الشريف حيا بخطوات وأخلاق وسلوك وفي الحديث الصحيح من خير معاش الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أوفزعة طار اليها يبتغي الموت مظانه 0
تجول من جبهة الى جبهة يبحث عن أشد خطوط النار التهابا وأقواها إشتعالا ذهب إلى قندهار واشترك في شعبان بعملية فتح كبيرة تحت قيادة مولوي غلام محمد غريب ونصرهم الله نصرا مؤزرا 0
وقد نشر تقرير مرسل منه باسم (عبد الله غريب) في العدد الماضي عن تلك المعارك (أنظر: بشائر من قندهار, صفحة 61)0
وعاد ليشارك في معركة جاجي في رمضان حيث اشتد أوار المعركة وطائرات (T22) و (T28) تدمر كل شئ بأمر ربها0
كان لي شرف مرافقته أيام الجمعة والسبت والأحد (الأول والثاني والثالث من رمضان) وقد ساهم في تسوية أرض لمسجد المخيم في جاجي فكان يعمل بصمت ولا ترى منه إلا حركة دائبة دون أن ينبس ببنت شفة, أو تسمع له ركزا , لا تلمس عليه مللا ولا تحس منه تضجرا يتفجر حيوية ويلتهب حماسا وكان متفانيا في خدمة إخوانه0
إستلم فترة من الفترات خدمة إخوانه في مكتب الخدمات, كان يأكل بعد أن يشبع إخوانه, كان ينتظر انتهاء إخوانه من طعامهم فيجمع بقايا كؤوس الشاي ويجلس ليشرب الشاي فوق فتات الخبز المتبقي وكان كثيرا ما يحاول تطبيق السنة يلعق بقية الصحون أخذا بالحديث فإنك لا تدري في أيها البركة, وأمرنا بلعق الأصبع والصحفة, وقد كان يصوم الإثنين والخميس أكثر أحيانه, وصام شعبان كله (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فساد ا والعاقبة للمتقين) القصص0
وفي الخامس من رمضان الساعة العاشرة صباحا في أحدى الغارات الجوية ومن جراء القذائف الضخمة حيث تدحرجت صخرة عظيمة على رأسه فأسلم الروح إلى خالقها ولحق بركب الأفذاذ أمامه على طريق يحيى وسعود وعبد الوهاب وعبد الصمد يضيف الى قائمة الشهداء بطلا تسطر تاريخ الإسلام بدمائه وتروي شجرته بنجيعها0
فنرجوا الله أن يجمعنا به في الصالحين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا0
رسالة الشهيد حمدي البنا إلى أهله:
من عبدالرحمن ابنكم حمدي إلى الوالد الكريم والأم الحبيبة والإخوة الأعزاء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد الذي جعلنا مسلمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, واشهد إن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبد الله ورسوله0
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خيرا الخلق كلهم0
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون, يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة أن الله مع الصابرين, ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون, ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين, الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون, أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون) (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون)(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون, فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور)(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).
روي الترمذي عن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله ص قال: للشهيد عند الله يغفرله ويرى مقعدة من الجنة ويجار من عذاب القبر وأمن من الفزع الاكبر وفي رواية أخرى ويضع على راسه تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه 0
غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه
قولوا لأمي لا تنوحي واصبري أنا عند خالقي الذي يهديني
إنا أن حرمت وداعكم لجنازتي فملائك الرحمن لم يدَعوني
ان لم يصل علي في الأرض امرئ حسبي صلاتهم بعليين
أنا في ربا الفردوس أقفز شاديا جذلان كالعصفور بين غصون
أنا في جوار المصطفى وصحابه أحيا حياة الحر لا المسجون
ابنكم حمدي
وصية الشهيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا مسلمين والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إلى الإخوة الكرام: فهذه وصية العبد الفقير إلى الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال ويتجاوز عن السيئات0
أوصيكم بتقوى الله عزوجل واتبعوا السيئة الحسنة وخالقوا الناس بخلق حسن0
1- عند وفاتي أدفن في أقترب أرض ولا أنقل بعيدا 0
2- يسوى قبري بالأرض ولا توضع له علامات.
3- أن يكون الكفن لباسي الذي أموت فيه0
4- أن يؤخذ من على جسدي كل ما هو نافع للمجاهدين.
5- جميع متعلقاتي ملابسي في حقيبتي فهي لليتامى والمساكين.
6- جميع أموالي التي أمتلكها مناصفة بين المجاهدين الفقراء والأخ أبي عبيدة (على الرشيدي المصري)).
7- أن يكتب خطاب عن يوم وتاريخ وفاتي (استشهادي) ويوضع في الخطاب مع التواريخ بعد غلقها بأسرع وقت0
رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم في الله
(عبد الرحمن عبد الله البنا)

تونس تجود بأول شهدائها على أرض أفغانستان
مزيدا من التضحية, مزيدا من الدماء الطاهرة الصادقة, مزيدا من الشهداء لك أيتها الأرض المجاهدة وها هم يهرعون اليك من كل حدب وصوب يشكل الإستنفار ملامحهم, نزلوا من طائرات الترحال والإغتراب منتظرين أن يتخذوا مقاعدهم في حواصل طير خضر في الجنة0
أبو عقبة00
أول دماء زكية تحملها أجنحة الشوق لجنات الخلد, من سهول تونس المؤمنة إلى جبال أفغانستان المجاهدة لتسطر بحرارتها صدق الوعد وحماسة الإنطلاق.
في تونس العاصمة كان المولد والنشأة, ومن بنزرت كان العمل بأحد مصانعها, لنلتقي اللقاء الأول في مسجد (المدينة) حيث كنا نشارك في الدروس والمحاضرات ومن تونس يحمله شوقه العارم إلى تركيا ومنها إلى فرنسا, والحيرة تنبعث في ملامحه والقلق والخوف يخطان جذورهما في مغاور عينيه, القلق على عقيدته والخوف من أن تظل راية الإسلام ساكنة لا حراك, كان هذا قبل عشرة أشهر خرج بعدها من دوامة التيه والترحال ليتخذ القرار الملهم0
ترك الأهل والأحباب ليجد له أحبابا وأهلا لايجمعه بهم غير صفاء الأرواح وعذوبة الإخاء وحنين الشهادة وبين هتافات (الله أكبر) التي ماتزال تردد حروفها وتتنقل أصدائها من جبل لآخر, إنهم هنا00 في أفغانستان حيث كان لنا لقاء ثان أفترقنا بعده ليدخل كل منا في جبهته ثم التقينا مرة ثالثة في شهر رمضان الماضي وتعانقنا قبل أن نفترق من جديد عناقا حارا كان له مذاق المعانقة الأخيرة وافترقنا على أمل أن يعود بعد ثلاثة أيام ليسافر إلى باريس كي يحضر زوجته, لكنه في هذه المرة كان على موعد آخر غير الموعد الذي أعطاه لزوجته, ودون أن يدري, كان على موعد مع الشهادة!.
ففي اليوم الثاني عشر من شوال أتاه الوعد الإلهي, وانتقل إلى جوار ربه ليتخذ مكانه الجديد في حوصلة طائر أخضر في الجنة بإذنه تعالى, مسجلا , رقمه السادس عشر في قائمة الشهداء العرب على إثر قصف جوي على منطقة شناري-قندهار, بينما كان يهم ليتوضأ.
لقد كان أبوعقبة (محمد بن إبراهيم) صافي النفس صامت اللسان, قليل الكلام, ولطالما رأيته فما أذكر أني سمعت صوته, سليم الصدر على إخوانه لايغبن أحدا ولا يقل في قلبه حقدا ولا يكن ضغينة على من حوله, كان ملازما للشهيد حمدي البنا, لم يطق فراق صاحبه فلحق به في موكب الشهداء الماضي إلى قيام الساعة, رحم الله أخانا أبا عقبة وسائر الشهداء من قضى منهم ومن ينتظر وأعطاهم ما وعدهم, وجعلنا منهم, هومولانا فنعم المولى ونعم النصير, وهنيئا لك أبا عقبة على منحك وسام الشهادة الرباني فقد تنسم الإخوة رائحة المسك المنبعثة من جسدك الطاهر عند استشهادك وعند دفنك0
فقوافل الشهداء تمضى تبذل الأر واح ترفل في الجنان وفي النعيم
نشوى بتكريم الإله لسعيها في صحبة الأح------باب والملأ ال—كريم
وصية الشهيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
الإسم محمد بن إبراهيم
الوصية:
إذا من الله على بالشهادة فأرجو أن تعلموا زوجتي وعائلتي أن يقوم بمراسيم دفني إخواني من العرب حتى لا يقوموا ببعض الغلطات التي يقوم بها الأفغان كأن يدفنوا مع الشهيد أشياءه التي يلبسها0
أن يكون قبري مسو ى بالأرض وأن لا يوضع عليه علم أو غيره من الترهات0
رسالة الشهيد إلى زوجته:
زوجتي العزيزة إذا أتاك نبأ شهادتي فاحذري أن تظني أن الله قد أخلفك وعده بل العكس اثبتي وليبقى أملك الوحيد هوالله لأنه لايخيب قاصده وخذي عني عن تجربة أن الله هو أرحم الراحمين وهو الحنان المنان حيث لا صدر يحنو ولا قلب يعطف فاهربي إليه ولوذي بحماه فسيكلأك برعايته ويجزل لك العطاء إلى يوم القيامة لصبرك واحتسابك إليه كل شيء0
احتسبي على ما أصابك ويصيبك في سبيله لأنه هو الذي أمرنا بالجهاد وحثنا عليه وحذرنا وتوعدنا من مغبة تركه فإذا كان ماحصل لك هوفي سبيل هذ الإله العظيم وصبرت على ذلك.
تستطيعين بعد ذلك أن تختلي حب الله لك والعلاقة الطيبة التي تكون بينك وبينه ومن هناك يكون المنطلق بالضبط كما حدث لي أنا حين أتيت إلى هنا فكنت كلما تذكرت أنني عملت هذا في سبيل الله يسعد قلبي وأحس بعلاقه طيبة بيني وبين ربي فأشعر برغبتي أكثر للقرب منه والإبتعاد عما يبعدني عنه وأنني لم أنسك يوما يا حبيبتي ولن أنساك إن شاء الله أبدا سأذكرك في العالم الآخر واسأل عنك دائما وادعوربي أن يجمعني بك في الجنة بفضله ورحمته0
والسلام وكان بودي أن أكتب لك أكثر ولكني لاأجد الوقت كافيا لأنى غدا صباحا أتوجه إلى خوست0
الأحد (7) مارس (6891م)
محمد
والد الشهيد أبي عقبة يتحدث للجهاد:
كان لما نشرته (الجهاد) من خبر استشهاد (أبو عقبة) صدى بعيد المدى وفرصة لاتساع الحديث عن الحرب الأفغانية في تونس, ولقد أقبل الناس على تهنئة أبويه وأهله عند اطلاعهم على العدد العشرين من (الجهاد) وتناوبوا قراءة النسخ المحدودة التي وصلتهم منها0
ولما زار والده مدينة القيروان التي هي موطنه الأصلي توجه إليه مراسلنا بالأسئلة التالية:
(الجهاد): بمناسبة التكريم الإلهي لابنكم محمد هل تسمحون أن تحدثوا قراء (الجهاد) عن شيء من حياته?
) لقد رزقني الله -فيمن رزقني- ولدا سميته محمدا فتوفاه الله, ثم رزقني آخر فاستأثره الله به كأخيه, ثم رزقني آخر بعدهما ثالثا فأبقاه لنا, وكنت سميته محمدا كأخويه السابقين, ولقد أنبته الله نباتا حسنا , وكتب له أعظم مراتب التكريم في موكب الشهداء بالاراضي الافغانية, والحمد لله على فضله العظيم0
(الجهاد): وفيما بين ذلك كيف كان محمد?
) كان محمد بارا بأبويه, عفيفا أمينا كل الأمانة علي أي عمل يقوم به في المصنع وغيره صموتا , كتوما , وكان أكثر ما يسره من حديث رفاقه وأقربائه هو ما كان ذا صلة بالله وبمصير الإنسان, يحمل هموم المسلمين, ويطيل التفكير في أوضاعهم, ويتمنى أن يجمع الله شمل الامة على نصرة دينه0
(الجهاد): هل راسلكم الشهيد بعد وصوله إلى جبهات القتال?
) نعم وطلب مني أن أرض عنه, وألح على أن أسترضي أمه لأنه لم يعلمها بنيته عند سفره, كان يظن أنه لو استأذنها لترددت في الاذن له, أو لحملته على التريث على الأقل لأنه حديث عهد بعرس0
(الجهاد): وماذا كان من أمه لما بلغها نبأ استشهاده?
) امتزجت في عينيها دموع الحزن بدموع المسرة فهي باكية ضاحكة, بكت لفراق محمد زوجه على قرب عهده بعرس, وضحكت مستبشرة بجهاده لأنها قدمت من بنيها من فاز برضوان الله والتحق بقائمة الشهداء0
(الجهاد): وهل كانت زوجه على علم بخروجه للجهاد?
) نعم وكانت تعتزم اللحاق به لتقوم بأي دور يسند إليها من خياطة أو تمريض أو تعليم أو حضانة أو أي عمل فيه نصرة الأفغان المجاهدين في سبيل الله0
(الجهاد): كيف تلقت زوجه نبأ استشهاده?
) تلقت الخبر بمنتهى الثبات والصبر, والحمد لله وما زال يشتد بها التفكير في نصرة المجاهدين الأفغان, وأمنيتها أن ترى أفغانستان محررة في القريب -إن شاء الله- من كل أثر لأمة الكفر0
(الجهاد): هل لك من الأبناء الأحياء غير محمد الشهيد?
) لي من الأبناء من هو أكبر منه ومن هو أصغر0
(الجهاد): كيف كان وقع استشهاد (أبو عقبة) في نفوسهم?
) كان الصغير يبتسم استبثار, أما الكبير فقد اغتم كثيرا , لأنه لم يكتب الله له حتى الأن ما كتب لأخيه الأوسط اما أخواته فلاتسأل عن ابتهاجهن0
(الجهاد): وهل يفكر إخوته في اتباع سبيله?
) التفكير شيء, والعمل شيء آخر, أو تظن أن المؤمن حقا لا يفكر في أن تكون كلمة الله هي العليا? ولعل الله يسمح بالوسائل المتاحة لذلك وما أشد سعادتي أنا لوبقيت مني قوة فأفوز بما فاز به ولدي0
(الجهاد): إن إخواننا الأفغان يحتاجون إلى المال أكثر من حاجتهم إلى الرجال فما هي الفائدة من انضمام غيرهم اليهم في هذا القتال على ما يبدوا لكم?
) صحيح أنهم في حاجة ملحة إلى مساعدة المسلمين لهم بالمال أكثر, ولكن وجودنا نحن العرب معهم في هذه المحنة الطاغية يشعرهم بأن إخوانهم لم ينسوهم, يذكرهم بأن الجسد الإسلامي في هذا العصر ما يزال يحس العضومنه بما يشتكي منه بعض الأعضاء ولوتناءت بهم الديار, ويؤكد لهم أن الرباط الذي بين قلوبهم جميعا هو أقوى من رباط الجنس واللغة والتراب ومن أي رباط آخر0
(الجهاد): هل تسمحون فتعرفونا بالرباط الذي تقصدونه?
) إنه الرباط الذي أقره الله في كتابه العزيز وعرف به الآمة الإسلامية فقال سبحانه:
(إن هذه أمتكم أمة واحدة, وأنا ربكم فاعبدون)
(الأنباء: 29)

الشهيد أبو عاصم (محمد عثمان)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد: فإن أسباب الشرف في الدنيا كثيرة فمنهم من ترفعه قبيلته بأعدادها ومنهم من تظهره ثروته بذهبها ودنانيرها وبعضهم من يبرزه علمه ومداد قلمه, وقليل هم الذين يرفعهم النجيع والمداد الأحمر الذي يخط التاريخ ويصنع الأمجاد ويشيد الممالك0
ومن بين الذين رفعهم دمهم وأظهرتهم شهادتهم فكان موتهم حياة وفراقهم لقاء وغيابهم حضورا شهداء ورأينا أجسادهم في فلسطين وأفغانستان ومن بين من عرفت (أبو عاصم).
أبو عاصم (محمد عثمان) شاب يافع مثقف ولد في أسرة متوسطة في مستواها الإجتماعي والعلمي والمالي, وشب كباقي الشباب ولكن في جو مكفهر يطارد المسلمين ويلاحق الإسلام فكانت نشأته عادية لم تتوله يد حانية بالتربية ولم تتعهده عناية معلم بالتوجيه الروحي والثقافي والخلقي0
ومن جراء السياط اللاهبهة لظهور المسلمين كان أبو عاصم من بين الذين هربوا ببقية إنسانيتهم حفاظا على روحه التي بين جنبيه وبدأ التحول في هجرته المضنية, من خلال لفح طريقها وشدة محنتها بدأت النفس تتجه إلى الله واتجه أولا إلى القرآن ينهل من نعيمه العذب ويتعلم القراءات وأحكام التلاوة والترتيل, وبدأت نفسه تتأدب بآداب القرآن, قال لي من سكن معه: كنا أحيانا نتحدث بأمور الدنيا وهو صامت فينسل من بيننا دون أن نشعر, فنفتقده وإذا به اعتزل في غرفة أخرى يقرأ القرآن0
وكان يحب صيام الإثنين والخميس ويقوم الليل شغفت نفسه بطلب العلم في ملتان, وحفظ القرآن ولم يبقى منه إلا جزءان عندما قابلته لأول مرة في بيشاور, ولكنه أتم حفظ القرآن في بنجشير0
كانت المقابلة قبل عام ونصف, رأيت على وجهه إشراقة, أشقر الشعر باسم الثغر, رزين السمت وإذا تكلم فبقدر ويفتر عن مثل حب الجمان.
قال لي: أريد أن أواصل تعلم القرآن فقلت له تكفيك الآن رواية حفص إذ أنه حل بالمسلمين ما شغلهم حتى عن أولادهم وأنفسهم00 الآن جاء دور الجهاد.
وراجعني بكلمة أو كلمتين فقلت له: هذا هو السبيل في المرحلة الراهنه.
وبدأ رمضان فأخذ الشباب يجتمعون إليه في صلاة التراويح ولكأنما تسمع القرآن غضا طريا كما أنزل0
وفي هذه الفترة كان أهله يلحون عليه بالعودة إليهم فقال لهم لن أعود إليكم, وجاءوا بخطيبته لتكلمه في التلفون قائلة: لن أتزوج ما دمت حيا فرد عليها قائلا : تزوجي غيري فلا عودة إليكم, هنا الحياة وهنا الممات.
وانتصف رمضان وتحركت قافلة بنجشير ليرافقها أبو عاصم وودع بيشاور وداعه الأخير.
وصل أبو عاصم إلى (أحمد شاه مسعود) بطل بنجشير وأسد الشمال, وعندما رآه تمسك به وقال لا تفارقني في حل وترحال ولا سفر ولا حضر, علمني القرآن واللغة العربية0
وانطلق أبو عاصم في مسيرة الجهاد المباركة وبدأ أحمد شاه يعد له الدورات التربوية القرآنية الروحية من القادة الذين حوله ومن خيار المجاهدين عنده وخلال عام كان قد ربى مائتين من القادة والجنود! على كتاب الله تلاوة وتجويدا , وعلى صيام الإثنين والخميس, وعلى قيام الليل, قال لي عبد الواحد -أحد الإخوة العرب في بدخشان- إستمعت إلى شاب أفغاني يتلو القرآن تلاوة صحيحة مع مخارج الحروف فسألته من أي جامعة عربية تخرجت?
فقال تخرجت من جامعة أبي عاصم العراقي! وتعلق المجاهدون به تعلقا عجيبا , فصار لا يتحرك إلا ويقولون: جاء قارئ صاحب (أي القارئ المحترم) وذهب قاري صاحب وأقبل رجب وبدأ أبو عاصم يعد الأيام حتى يأتي رمضان ويفرك يديه قائلا : آه على شهادة في رمضان, وجاء اليوم الرابع عشر من رمضان (6041ه-) وجاءت معه معركة أندراب-بغلان واستأذن أبو عاصم ليشترك في المعركة, ويفجر باب القلعة التي يهاجمونها, وأذن له.
وسجل المسؤول أسماء الأخوة المشتركين فكانوا مئة وعشرة من المجاهدين, وسجل بجانب اسم أبي عاصم كلمة شهيد.
قال عبد الله أنس: قلت للأخ الذي سجل الأسماء (صفي الله) أنت مستعجل على العرب نحن إثنان تريدون أن يذهب واحد الى ربه ويبقى واحد? قال صفي الله: أقسم أنه لن يرجع أولا ترى نور الشهادة بين عينيه? أنظر إلى وجهه, ثم أقسم ثالثة ورابعة أن أبا عاصم شهيد في هذ ه المعركة0
وأفطر المجاهدون جميعا استعدادا للمعركة عدا أبي عاصم (وشاه قلندر), ووصل المجاهدون القلعة وفتحت الرشاشات وكان لابد لابي عاصم أن يقوم بدورة تحت نيران الرشاشات, وتقدم كالليث وبسرعة خاطفة وضع الألغام تحت باب القلعة وفجرها فانهار الباب وقسم من الجدار وانهارت معه معنويات الكفار ودب الرعب في قلوبهم وانطلق المجاهدون يكبرون وكان من أوائلهم أبو عاصم وشاه قلندر فاصابتهم رصاصات واستشهدا فكانا هما فقط الصائمين الشهيدين دون أن يستشهد غيرهم0
مضى أبو عاصم إلى ربه:
ولقد كانت صاعقة نزلت من السماء على نفوس المجاهدين عندما رأوا أستاذهم وإمامهم ومقرئهم قد مضى وتركهم, وقد كان وقع المصاب شديدا على أحمد شاه وعلى المجاهدين وبدأت الذكريات الحبيبة تحول المكان كأنه طلل خارجي قد عبثت به رياح الدهر فخيم الوجوم وساد الصمت وأطبق الحزن وعمت الوحشة وأنكر المجاهدون أنفسهم وهم يتساءلون كيف الحياة بدون أستاذنا0
يقبل الفجر وتقام الصلاة ومن يسد مكان أبي عاصم في الأمامة يجلسون بعد صلاة الفجر لحلقة القرآن ولكن مكان أبي عاصم خال:
سرى صوت المؤذن في حمانا وقد فقدت مآذننا بلاله
فيبدأ البكاء وينفض القوم0
إذا وضع الطعام فهذا (صحن) أبي عاصم, فتغص النفوس بالطعام, وإذا جاء المنام فهذا (فراش) أبي عاصم فتتأرق الأجفان وتتجافى الجنوب عن المضاجع0
وكاد القوم يصابون بالهذيان حزنا على الفراق00 مع أنهم فارقوا من قبله00 آباءهم وأشقاءهم00 ورأوا آلاف القتلى, ولكن أي مصاب جلل حل بالقوم بعد أن ذهبت روحهم من بين ظهرانيهم.
واضطر أحمد شاه أن ينقل المجاهدين بعيدا من المكان ثماني ساعات لينسيهم ذكريات إمامهم وما من معر كة تحصل بعد " أندراب " الا ولسان كل مجاهد يقول: اللهم ألحقني بأبي عاصم في الصالحين0
رب ارحم أبا عاصم فلقد بلغ المنزلة إن شاء الله, ورقد في مثواه الأخير هناك فوق قمة جبل شامخ حفر قبره أحمد شاه مسعود بنفسه مع المجاهدين, وكانت جنازته مهيبة مشهودة ودع بها أبو عاصم هذه الدنيا الزهيدة ومضى بعد أن أخذ القلوب في رحلة الخلود الأبدية.
إن قبره في ذرى الهندكوش ليشهد أن هذا الجهاد جهاد إسلامي عالمي وليس قتال قوم خاص بالأفغان.
فهنيئا لك يا أبا عاصم ونرجو الله أن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى إنه سميع قريب مجيب ونقول, هذا أبوعاصم فعلى منواله فانسجوا وعلى طريقه فاسلكوا0





ولحق أبو عبد الحق بالركب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:
فكلما مضى أخ شهيد إلى الله أخذ معه جزءا من قلوبنا وفلذة من أكبادنا وسار بها إلى ربه وتبقى بعده الذكريات الجميلة التي تؤرق أجفاننا من جهة اخرى, يمضي وتبقى روحه الشفافة وهمته العالية ودأبه الناشط وحركته التي لاتعرف الكلل والملل حوافز تؤجج في صدرونا نارا على أعداء الله ونورا تضيء لنا الجادة إلى الله0
هذا المهندس من بين الذين تركوا في نفسي أثرا عميقا وبصمات واضحة, أحسبه من خيار الناس الذين يصفهم رسول الله ص: أنهم الأخفياء الأتقياء الأبرياء 0
قدم من أمريكا -مهندسا كهربائيا الكترونيا - من بقعة هي أكثر البقاع ترفا في الأرض حيث الرفاهية والمتعة ووسائل الراحة التي قدمت خدمات لا يكاد العقل البشري يتصورها وانتقل إلى أرض الجهاد حيث التراب والثلوج والجبال ولعل اقدام البشر لم تطأها من قبل
منعت زوجته أن تلحق به لأسباب ولكن هجرته إلى الله لا رجعة فيها ولا تردد ولا تلعثم فإن كانت الزوجة عائقا وعقبة كؤودا تحول دون الهجرة أو تقطعها, فلنضح بالزوجة ولنطأ على قلوبنا ومشاعرنا ونصبر ونصابر ونحن نكابد أشواقنا ونقاوم خلجات أفئدتنا (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) وبقي أبو عبد الحق على الطريق يبحث عن الشهادة ويتشوق إليها مضى إلى بكتيا يعمل في تركيب الأجهزة اللاسلكية ودخل اللوكر وفوق قمة جبل (سلطان سيف) الدي يشرف على المناطق المحيطة بكابل, أقام أبو عبد الحق يتربص بالأعداء ويستشرف الشهادة ولكن لم يكتب الله أن يقتل فوق أرض المعركة0
عاد أبو عبد الحق ودخل مخبره ليعمل على إصلاح الأجهزة وتركيبها وحلها وكنت أراه داخل مخبره كأنه الراهب في صومعته أو العابد في زاويته, وكان لا يسمح للناس بزيارته, فكنت إذا دخلت عليه علت وجهه ابتسامة مشرقة وترى السرور من خلال بريق عينيه الذي يتراءى لك من وراء نظراته, وكنت لا أطيل عليه كزيارات المريض لأني قطعت عليه حبل تفكيره مع جهازه الذي يرى أن العمل فيه خير من صلاة النوافل لانه يعتبر الأعداد فرضا , أما صلاة النافلة فهو مندوب ولا شك أن الفرض مقدم على النافلة0
كان لا يتكلم إلا بقدر, وكثيرا ما كان يواجهني بأسئلة يتحرى فيها لأمر دينه, وهذه الأسئلة يعدها في ذهنه ريثما يهتبل فرصة لقائي0
كنت لا أراه إلا خاليا مع أجهزته أو يطالع في كتاب فقهي أو فكري0 يسأل وأجيبه ولا يناقش, يسأل بأدب وعيناه في الارض كأنك تعيش مع تلميذ وأستاذه في القرن الثاني الهجري في المسجد الأموي أو في دار الحكمة, بذلك الأدب الرفيع والتواضع الجم والاتزان المهيب0 تعرف آداب العالم والمتعلم وحق العلم والتعلم0
لا يعرف الجدل ولا يعقب على كلام المجيب ولا يتمحل ولا يتشدق, سألت أحد الأخوة المجاهدين من بلده, هل تعرف أبا عبد الحق وانت معه في الساحة? قال: أعرفه ولكن لم أجلس إليه0
ويبقى المهندس عاما كاملا يأكل ويشرب وينام في زاويته التي يتعبد الله بها من خلال أجهزته, ومن الله عليه أخيرا بقدوم زوجته ورؤية ابنته فاطمة التي ولدت ولم يرها بعد0
وقسم دهره قسمين ليلة لزاويته وليلة لزوجته, وكان يعود قرب العشاء وبيده جهاز ويجلس مع زوجته فتبدأ الكلام مه وعقله مشغول بجهازه, فكانت تغار من أجهزته وتغضب وتقول: أنت تحضر ضرتي لتأخذ من ليلتي, هذه الليلة لي وليست لضرتي -تعني جهازه- كان أبو عبد الحق زاهدا , فكان يخصص لنفسه سبع روبيات مصروفا في مخبره أي حوالي ريال وربع, وكنت تدخل بيته فأول مايثور في خاطرك قصص أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي في الزهد -رضي الله عنهما-0
وذات يوم جاء من يخبرني أن المهندس في المستشفي وذهبت لزيارته فوجدت الصفرة قد علت محياه فزادته إشراقة على إشراقة وجسست حبهته فوجدت عليها قليلا من الحرارة ولكن حالته لم تكن في النظرة البشرية خطيرة وقرأت عليه الأذكار الواردة في الإسترقاء0
وفي هذا المرض رأى أبو عبد الحق رسول الله ص وناوله ورقة وإذا بها (الشهادة مع اسمه الصريح) فنادى صاحبه وكان الى جواره فعظم أيام مرضه وقال: اكتب وصيتي جاءت الشهادة يا أخي فبدأ صاحبه يحاوره إبعادا لهواجس الموت وشبحه عن ناظريه وفكره فقال: اين الشهادة? الشهادة في المعركة وأنت في المستشفى, قال المهندس: أنا هنا مرابط رغم أنفي مع أن قلبي معلق في المعركة, ألم تسمع قوله تعالى:
(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وان الله لعليم حليم)
(الحج: 85-95)
وكان الصحابي فضالة بن عبيد في غزوة فتوفي مجاهد واستشهد آخر فجلس فضالة عند قبر المتوفي فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله تبارك يقول: (والذين هاجروا في سبيل الله000 لعليم حليم) فما تبغي أيها العبد اذا دخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا ? والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت رواه الطبراني بإسناد صحيح0
وقد روى الإمام أحمد الحديث قال ص: من وضع رجله في الركاب فاصلا في سبيل الله فلدغته هامة أو وقصته دابة اومات بأي حتف مات فهو شهيد رجاله ثقات والحديث صحيح0
وأذعن صاحبه لطلب أبي عبد الحق وسطر الوصية ومما جاء فيها: (000 وقد نذرت روحي ومعرفتي وجسمي لله حتى كلفني ذلك ترك فلذة كبدي وزوجتي الودود لمدة سنة كاملة كانت سنة تمحيص000 بعدها أمرت بالرباط الطويل في نفس المكان كنا نعمل ليلا ونهار فكنت اركب وأجمع وأدرس وأتعلم ولا أعطي لأهلي إلا القليل من وقتي, ذلك لقلة المهندسين المسلمين في أفغانستان ولم يمنعني هذا ان اجد لذة انفاق بدني في سبيل الله وكانت الأخبار تمسح عنا التعب إذا هبت ريح مسك لشهيد قرآني فكانوا غذاءنا وشرابنا وعطرنا وكلنا يلهج ليأخذه معهم...
يلهج ليأخذه معهم000 وإذا توفيت أخبروا الشيخ عبد الله عزام ليخبر زوجتي واختتم الوصية بالآية (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد) ورأت زوجته قبل وفاته بأيام قليلة رسول الله ص يحمل جنازة وكان زوجها فيمن يحمل مع رسول الله ص فسألته من هذا المحمول الذي نال هذا الشرف? فقال: إنه شهيد ليتني مكانه وأخيرا فاضت الروح إلى بارئها وكانت لحظات عصيبة جدا تمر على كيف أواجه زوجته بالخبر وصليت الفجر وتوجهت مع زوجتي إلى بيتها وأخذتها إلى المستشفى وفي الطريق صرت أمهد السبيل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية والمرأة لاتتمالك نفسها وترتجف أوصالها وهي تحس أن الأمر جلل0
ودخلت مع زوجته وزوجتي لتلقي عليه النظرة التي لن تحظى بغيرها بعد اللحظة وكانت مفاجأة مذهلة ومصابا عظيما أن ترى زوجها جثة هامدة إلا أن ابتسامة وإشراقة وجهه لم تفارقه فبدأت تمرغ وجهها على وجهه وتقول: حرام عليكم نظرة واحدة لواعطيتموني قبل ان يموت...أبا عبدالحق, أبا عبدالحق0
وسارت جنازته في موكب مهيب وبجانب يحيى وفي بابي دفن أبو عبد الحق حيث المكان الذي أحب وبجانب الشهيد الذي عشقه وتعلقه0
ولشد ما كانت دهشة زوجته عندما علمت أننا دفناه بجانب يحيى فقالت: قد كانت هذه أمنيته0
وتكلم الشيخ سياف كلمة وتكلمت كلمة كانت من عصارة قلبي وحرقة كبد ي وما بكيت على أحد بكائي على أبي عبد الحق رحمه الله وألحقنا به في الصالحين0





الشهيد أنس (تركي الهذلي)
لا زال عودك أيها الشبل غض ا, ولا زال أمثالك يا تركي يبكون على لقمة العيش, ما الذي جاء بك يا صاحب الصوت الندي, من ذا الذي يؤذن بعد اليوم في مسجد الشركة التي كنت فيها0
سرى صوت المؤذن في حمانا وقد فقدت مآذننا بلال-------ه
من ذا الذي يجمع الناس بصوت ندي كصوتك0
هكذا وبدون مقدمات من أعطاف النعيم على شاطىء الخليج إلى قمم الجبال في بروان تسابق الأفغان في غدوهم وجهادهم وتسلقهم للقمم وأكبر من ذلك كله الوقوف أمام أشرس قوى الأرض وأعتاها ليس متوقعا من أمثالك أن يواجه الدبابات بقذائفها إلرهيبه ودويها الذي يصك الآذان, إن أمثالك يفزعون من رؤية عقرب أو صرصور0
إنه اختيار رب العزة لك ولعبد الرحمن أن تكونا ممن اصطفاهم الله -إن شاء الله- لتكون أرواحهم في حواصل طيور خضر في الجنة تسرح حيث تشاءثم تؤوي إلى قناديل معلقة تحت العرش0
لقد كبر أهلك وأهل عبد الرحمن في أعين الناس عندما بدأوا يفتخرون بأنهم قد قدموا لهم فرطا على الحوض وحق لهم ان يفخروا لأن أمثالك ولعل بعض أرحامك يموتون وهم يفحطون بالسيارات وأنتما ممن يشفع بسبعين من أهل بيته ويلبس تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها ونرجوا الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى0
الشهيد عبد الرحمن (عبد الله الجماز)
من أرض الجزيرة, عرفته ببشرته السمراء وسماحة وجهه تلمح بين عينيه براءة الفطرة وسماحة البادية وبساطة النفس0
عرفته في جاجي في رمضان سنة (6041ه-), كان البرد شديدا والهول يلف المنطقة بردائه بسبب الغارات الجوية التي احالت الأرض كلها قطعة من النار المشتعلة ودوي الإنفجارات المتتابعة تذهل المرضع عن وليدها, وكانت لديه عباءة فاشتملت بها وبعد يوم أويومين تأثر عوده الرقيق وجسده الناحل بالبرد فجاء يطلب العباءة وعلى استحياء شديد, ثم ظن أنه ما كان له أن يطلبها وذات يوم وإذا به يذهب ويشتري عباءة ويقدمها هدية وأصيب عبد الرحمن بشظية قنبلة كسرت فخذه ونقل إلى المستشفى وانتظر حتى عافى الله ساقه ثم عاد ليرى أهله في الجزيرة وكم يهزمشاعرك وإخوانه يحملونه مكسور الفخذ وهو يعتذر إليهم قائلا أتعبتكم0
وعاد عبد الرحمن مرة أخرى وتوجه إلى بروان مع -سيد باس- قائد الحزب الإسلامي وسيد باس هذا من العلماء الذين يشهد لهم بالأصلاح والصلاح, وقد دوخ الروس في منطقة بروان المركز, وأثناء وجوده في بروان توجهت قوة ضخمة من الطائرات والدبابات وهاجمت ا لمنطقة, ووقف سيد باس مع المجاهدين ليواجهوا القوة ولأول مرة لا تجرؤ القوة أن تدخل القرى لتفتيشها, ودقت رحا الحرب المنطقة بثغالها (الحجر الأسفل في الطاحون).
غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا
وبرزت الأسود من غيلها ويحدث الأفغان عن شجاعة -عبد الرحمن- أنس الذي لم يصل إلى الثامنة عشرة ما يشرح القلب ويثلج الصدور0
وكان القدر بالمرصاد, والشهادة مطوية في علم الغيب حيث تنتهي المعركة الشرسة باستشهاد عبد الرحمن واستشهاد أنس واستشهاد القائد سيد باس0
الشهيد أحمد التونسي (نبيل مبارك)
وهكذا ساقتك الأقدار لتتوج خوست -سناكي- بأول شهيد عربي على أرضها كم جاهد قبلك مع الشيخ جلال الدين وفي أرض خوست? انهم كثيرون ولكن تاج الكرامة لم يتوج به أحد من قبلك من أبناء جلدتك ولسانك0
حتى في وسط المعركة أنت صائم من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا حديث صحيح0
يا صاحب الوجه المشرق والجبين الوضاح, كيف خلصت من أفسد أرض? من إيطاليا بلد الجنس والخمر والهوى والدنيا فيها امرأة وكاس الى أرض الجهاد هكذا انسلخت من الدنيا وجفوتها, وفارقت زخارفها إلى أجادب من الجبال وقفار من الهضاب لا ترى فيها العيون الزرقاء والشعور الشقراء التي كانت تزخر بها شوارع روما0
من ذا الذي يقود الطائرة التي تعلمت عليها? ومن يحل في مقعدك في كلية الطب? أم أن أهل الدينا في واد وأنت في واد0
هكذا تستوحش من الدنيا وزخرفها, وتطلق الأرض بزينتها ونعيمها, وأصبح حبيبك قرآنك الذي يرافقك وأصبحت عشيقتك بندقيتك التي ملأت عليك حياتك وأملك ومحط أنظارك0
ماذا سيقول والدك الذي نشأ في مهنة الطب وكان يؤمل أن يكون غدك مكللا بزهور الدنيا وكان جل همه أن يراك أستاذا لامعا في كلية الطب وإلا فلا أقل من طبيب ماهر مختص له عيادة يشار إليها بالبنان, كيف سيتلقى خبر استشهادك?
لقد تركت حسرة عميقة في نفس كل أفغاني رآك ثلاثة أيام متتالية والوحشة تخيم على المنطقة ألما لفراقك وحزنا على غيابك0
لقد حدثني عنك شيرين جمال -قائد الجبهة- ومنصور وعثمان أنهم شموا رائحتك الزكية التي فاحت من دمائك0
وهل كنت على موعد مع الموت في أحاسيسك حتى تقول لمنصور: (سلام عليك نراكم وإلا فموعدنا الجنة)!
وهكذا بسرعة البرق الخاطف تمضي من بيننا ويواري التراب وجهك الصبوح المشرق لتلقى ربك صائما شهيدا .
فسلام عليك يا نبيل وندعو الله أن يجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا0
الشهيد عبد الجبار (أيمن كمال عباس)
الشهيد الصائم الذي يدخل المعركة وهو صائم حيث يلتزم بصيام السنة في السفر والحصر, أما لك أن تأخد بالرخصة وانت تتسلق جبال نور ستان وشواهق اشكمش,مرتفعات بغلان, هلا اقتفيت أثر أخيك الأكبر أبي دجانة الذي شاركك مسيرة الطريق إلى عالم الخلود? إم اردت أن تحلق منطلقا من يا صاحب الإشراقة الوضيئة لم نشبع من النظر إلى محياك الطاهر, ولم نمتع أبصارنا بالنظر إلى أهل الجنة الذين يدبون على الإرض - كما نظنهم ولا نزكي على الله أحدا لقد فارقتنا أنت وإخوانك ولم تكن أيامكم بيننا طويلة0 بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جف----ت مآقين—ا نكاد حين تناجي----كم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا وكان اللقاء الأخير في نهرين -بغلان- وبعد ذلك الفتح العظيم في نهرين تأتيكم قذيفة فتصيبكم شظية فيبدأ الدم ينزف. أقبل أبو خالد واحتضن عبد الجبار ليلثم ذلك الجبين المضمح بالدم فيشير إليه عبد الجبار وبصوت خافت متهدج قائلا: اسقني فأشار الطبيب أن لا تسقه وأسلم الروح الطاهرة الخالدة بين يدي أبي خالد0 فسلام عليكم أيها الأبرار -ولا نزكي على الله أحدا - ونبتهل إلى الله أن تكونوا شفعاء لنا يوم القيامة ونأمل من الله أن يكون قد تقلبل شهادتكم. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



ومضى منشد الطائف الحمد لله والصلا ة والسلام على رسوله وبعد: ففي كل يوم تخطف يد المنون بقدر من الله شابا , لا تعرف قدره إلا بعد أن يمضي فإذا به عملاقا يلبس أثواب شاب عادي بسيط في الطائف وفي عائلة فيها شباب متجه إلى ربه نشأ أحمد وترعرع, وأصبح الجهاد الأفغاني حديث السامر في الطائف بل في معظم المدن الإسلامية, ولم تكن أسرة أحمد بمعزل عن الأحداث العظام التي تهز الأرض بأسرها0 وأصبح الكلام عن الجهاد الأفغاني شغل هذه الأسرة الشاغل, خاصة وقد علم أبناؤها الحكم الشرعي للجهاد بأنه فرض عين بالنفس والمال ولاحاجة لاستئذان الوالدين, ولأخوة أحمد مكانة اجتماعية ووظائف حساسة في بلدهم. وأقبل أخ يكبره ليرى واقع الجهاد الأفغاني وطبيعته والدور الذي يمكن أن يؤديه فرأيت أحمد لأول مرة في مخيم صدى في رمضان سنة (6041ه-) كان معه أخوه الذي يكبره وهو موظف صاحب عيال جاءني وجلس في خيمتي التي تجاور خيمته وسألني عن حكم الجهاد الأفغاني بالنفس بأجبته: انه فرض عين ولا حاجة لاستأذان الوالدين واكتفى بهذا وعاد إلى بلده مزمعا على الإستقالة ثم التفرغ للجهاد وكان بجانبه شاب صغير دائم الإبتسامه فسألت عنه فعرفت أنه أخ لذلك الموظف المتزن الجاد فقلت له: أنت ليث وسميته ليثا . وتفارقنا في أواخر رمضان ودارت الأيام ورأيت أحمد في جاجي في المأسدة وفي وسط الثلوج عاد والحنين يشده إلى الشهاده والشوق يؤرقه للقاء الحور العين, وبقيت الأبتسامه والدعابة البريئة والمزاح الفطري الذي ينبعث من قلب بسيط ونفسية صافية لاتعرف التكلف وإلا الألتواء ولا تتصنع الإبتسامة الصفراوية فطرة سليمة وبساطة واضحة, وهمة عالية, هذه كانت خلاصة نفسية أحمد -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وهذا قوام شخصيته0 والذين رأوا جاجي في وسط الشتاء يدركون ضخامة العناء الذي يكابده من يعيش هنالك, أن درجة الحرارة لتصل الى -02 - تحت الصفر المئوي ولقد رأيت الماء الساخن يتجمد مباشرة على وجهي ويتحول شعر اللحية بمجرد ملامسته الماء إلى قضبان جليدية على الوجه0 إن الحياة في تلك المنطقة في الشتاء من القساوة والشدة بحيث لا يحتملها إلا أفذاذ الرجال0 ولقد عشت بينهم قرابة عشرة أيام كنت أغبط هؤلاء الشباب على احتمالهم وصلابتهم وصبرهم, وكنت أعجب لاحتمالهم هذا الزمهرير الذي تلفح سبراته الوجوه حتى أثناء سطوع الشمس وقت الظهيرة0 وكنت أكبر في هؤلاء الشباب نشاطهم ودأبهم لايتوقفون منذ طلوع الفجر حتى غروب الشمس0 تراهم في أقرب نقطة إلى العدو ليس بينهم وبين مراكز الشيوعيين سوى ثلاثة كيلومترات ونصف في قمة منعزله عن المجاهدين حوالي (41) كيلو مترا . كنت أخشى أن يتخطفهم العدو والعدو أمامهم قوي وبأسه شديد وكانت التوجسات تقلقني عليهم وكانت المخاوف تنتابني كثير ا أن تحدث عملية إنزال مفاجىء عليهم فيمسكونهم أحياء فكنت أرجوهم أن يرجعوا قرب مقر المجاهدين ولكنهم يصرون على البقاء مهما كان الثمن ومهما جلت التضحية0 سألت أحدهم: ماذا لو هجمت القوة (والقوة تعني مئات الدبابات والناقلات تساندها الطائرات وراجمات الصواريخ) هل تنسحبون? فنظر إلى مبتسما وقال: سنتصدى لها بإذن الله ونرجعها, وعندها: جزيت على ابتسام بابتسام, وسألت آخر: ماذا لو جاءت القوة? فقال: الله في السماء ثم أبو عبد الله في الأرض وتركتهم وهم يوصلون الليل بالنهار ويعجلون في تحصين موقعهم, شباب مترفون, لم تعركهم الحياة بعد, ولم يصلب عودهم كما يجب ولكن الهمم تطاول السحاب وتناطح السماء0 وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام كانوا يقولون: لابد من إزالة قواعد الشيوعيين هذه ولا بد من تأمين الطريق المؤدي إلى لوجر وإلى كابل, وقلما تجد واحدا من هؤلاء الأبطال لا يشتغل, نزل سبعة منهم ونصبوا خيمة على بعد مائتي متر من قواعد العدو وأخذوا يترصدونه فعجبت من جرأتهم وصبرهم وثباتهم ومكثو طويلا والألسنة تلهج لهم بالدعاء: كأنما يردون الموت عن ظما أو ينشقون من البارود ريحانا كان أحمد يبحث عن الموت, لقد انتظر طويلا يريد أن يخوض معركة فدفعه الشوق إلى البحث عن مكان آخر غير جاجي فكان يقول: (هذه العملية ثم إلى قندهار) ولكنه كان يعلم أن الله يريد غير ذلك أن يختاره إلى جواره -إن شاء الله- وكما نأمل وندعوأن يكون الله قد تقبل شهادته0 كان ذا صوت ندي بالقرآن الكريم, وذا لحن شجي بالأناشيد فكان يروح عن إخوانه ويخفف من ثقل اللأواء عليهم ببعض الأناشيد كانت غرفة الطائف تشتاق إلى إمامته لهم في الصلاة, وكان الشيخ تميم يحب سماع صوته ويرتاح للصلاة وراءه, وعرفت فيما بعد أن له أشرطة تباع في الأسواق في الطائف وغيرها, وما أجمل الأذان من فم أحمد0 وقبل العملية بيوم كنت معهم وبت عندهم وحدثني أحد زملائه الذي حرس معه أن فترة الحراسة -ليلة الجمعة- قضاها بالتهجد0 وحدثني أبو فيصل: رأيت أحمد قبل شهر فأهداني مصحفا وقال بشرط: أن تدعوا لي بالشهادة كلما فتحته للتلاوة, لقد كان أحمد وأخوه محمد يعرفان في الطائف كلها بأنهما الدعاة فكانا دائبين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي صباح الجمعة (91) شعبان سنة (7041ه-) الموافق (71) أبريل (7891م) مر على شباب يتحدثون ويمزحون فقال لهم: اشتغلوا بذكر الله0 وقال لآخرين: اليوم الجمعة لا تنسوا قراءة سورة الكهف كان أحمد يحس -والله اعلم- أن هذا اليوم قد يكون آخر عهده بالدنيا فودع أخاه أبا حذيفة -من الطائف- قائلا سلم على والدي فإني اليوم شهيد0 واصطفت الجموع لتنطلق للعملية وبدأت الدموع الحرى تهطل من العيون وما أحر وما أمر لحظات الوداع خاصة وكل واحد يتوقع الا يرى أخاه بعد تلك اللحظة, ولكن بعض الشباب لم يستكملوا تدريبهم واستعدادهم بعد للقاء العدو فحرمهم المسؤول أن يشاركوا وصاروا يبكون ويرجون هذا وذاك أن يتوسط لدى المسؤول لعله يسمح لهم بالمشاركة0 ومضت الجموع وفي ساعة الإستجابة يوم الجمعة في السادسة مساء انفتحت النيران تحرق كل مكان وبدأت ارقب العملية والنيران تحرق مراكز العدو وتلتهم بألسنتها المتطاولة قواعدهم وكان أحمد في النقاط المتقدمه يرقب رماية مدفع (28) ويطل على أماكن سقوط القذائف, ويطلق أحيانا على المدفع, وانطلق إلى الأمام ليشفي صدره باحتراق أعداء الله وصاح (خوب) أي ممتاز, ومع غروب شمس يوم الجمعة انقطع صوت أحمد وناداه إخوانه ولم يرد عليهم واقترب يحيى من أحمد فوجده مضرجا بدمائه معفرا بالتراب طوبى لعبد آخذ بعنان فرسة في سبيل الله, أشعث رأسه مغبرة قدماه, إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وان شفع لم يشفع 0 ومضى ليث المأسدة, ووصل الخبر ونحن ننتظر أنباء المعركة عن كثب بأن أحمد على مدفع (28) قد استشهد وانفجر ابناء الطائف باكين لأنهم يعرفونه منذ نعومة إظفاره ثم بدأ الشباب يهنئون بعضهم بعضا باستشهاده ويتمنون أن يلقوا الشهادة ويتقبلها الله منه ومنهم واصطف الشباب يطالبون باحضار الجثة في بهيم الليل الداجي والقذائف تمطرالمنطقة بوابل نيرانها, واصروا على احضاره ليودعوه فقلنا لهم: من الخطر الآن أن نتحرك بسبب عدم وضوح الطريق ولأن المعركة شديدة وكذلك فإن السنة أن يدفن القتلى في مصارعهم (أماكن قتلهم), جاء في زاد الميعاد (3/412): (إن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر, فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم الى المدينه فنادى منادي رسول الله ص: بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم)0 وتحت قذائف نيران العدو وفي جنح الظلام يتسلل بعض الشباب ويحضرون جثة أحمد, فوجدوه مبتسما كحالته التي فارق عليها الحياة0 ويشهد لي أبو حذيفة أنه شم رائحة طيبة تخرج من جسده وهناك ومقابل الغرفة التي كان يقيم فيها أحمد أثناء رباطه حفر الجدث (القبر) وحمله أبو حذيفة ليواري جثمانه الطاهر في التراب ويخلي بينه وبين رب العالمين والعيون لا تملك أن تمسك دموعها الهاتنه وإن كانت القلوب مستبشرة فرحة بهذا المصير الذي لقيه أحمد, وحق لأبي حذيفة ولأمثالة ممن عرفوا في حياة أحمد الناعمه والوادعه الهادئة وفي هذه اللحظات أن يمر في خيالهم صورة مصعب بن عمير وأن يودعوه بتلك الكلمات الخالدة التي ودع بها رسول الله ص مصعب يوم أحد: (لقد رأيتك في مكة وما في مكة شاب أرق حلة ولا أحسن لمة منك وها أنت الآن أشعث في بردة), فهنيئا للطائف بشهيدها ومنشدها ومؤذنها وهنيئا لوالدية وأقاربة الشهادة والشفاعة إن شاء الله ومضى ليث المأسدة, فهنيئا لأبيه وإخوانه الشفاعة, فهي مفخرة الدنيا وعزها ونعيم الآخرة وخلودها -إن شاء الله-. فيا أشقاء أحمد, طلال ويحيى وسعيد وعمر وعبد الوهاب ومحمد وبندر هذا الليث (أحمد) قد شق الطريق أما مكم فهل انتم على أثره سائرون ويا أصدقاء أحمد هذا أحمد قد مضى بعد أن شهد عليكم وأقام الحجة عليكم فليس لكم في القعود بعده عذر. ويا أرحام أحمد ما كان لكم أن تتخلفوا عن السبيل الذي ضمن الله سالكه في الدنيا والآخرة. وندعوا الله أن يجمعنا بأحمد في الفردوس الأعلى. رسالة إلى أهل الشهيد: بسم الله الرحمن الرحيم العم الكريم عبد الله بن الزهراني حفظه الله ورعاه. العمة الكريمة والده أحمد الزهراني حفظها الله0 الإخوة الكرام أشقاء أحمد, طلال, يحيى, سعيد, عمر, عبد الوهاب, محمد, بندر, حفظهم الله ورعاهم شقيقات أحمد, أعانهن الله وألهمهن الصبر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد إن الناس كلهم يموتون ولكن الشهداء هم الذين ينفردون بالمجد في الدنيا وبالفوز في الملأ الأعلى, إن الشهادة اختيار من رب العزة لصفوة خلقه (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء)0 إن الأمم تحيا برجالها الذين يضحون في سبيل نصرة مبادئها وارتفاع رايتها وصيانة مقدساتها وحماية أعراضها, ولا خير في أمة تهضم حقوق مستضعفيها, وتداس قيمها وتهدر دماءها ولا تحمى نساءها وظعائنها0 وكثير من القبائل أحيا ذكرها شاب ذو نخوة وحفظ لها وجودها وأدخلها سجل التاريخ0 وأنتم جميعا كعائلة يعرفكم الناس بأحمد الذي جعل الله له لسان صدق في الآخرين فبذكره تذكرون, وبه تعرفون0 لقد نامت الأمة طويلا وغطت في سبات عميق ولا يمكن أن تستيقظ هذه الأمة إلآ على صوت السلاح وسيلان الدماء, فدماء هؤلاء الشباب الأطهار تحيى الأمة من جديد وتعيد الحياة إلى عروقها التي كادت تجف0 إن شجرة هذا الدين القويم لاتنبت ولا تترعرع إلآ إذا رويت بدماء الصادقين وبعرق المخلصين, فطريق هذا الدين طويل مفروش بالاشلاء مروي بالدماء وإن أقرب طريق إلى الجنة هوالشهادة في سبيل الله, وإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله0 إن الجهاد اليوم باتفاق العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين (فرض عين بالنفس والمال ولا إذن للوالدين ولا للدائن على المدين ولا للزوج على زوجته) مع أنه لايجوز أن تخرج الزوجة والأمرد إلآبمحرم0 إن المقدسات التي سلبت, والأموال التي نهبت, والأعراض التي انتهكت والديار التي اغتصبت, كل هذه تستغيث همم الشباب وعزائم المسلمين0 كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدوالمعتدي أتسبي المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذن يطيب? إذا كان أتراب أحمد أانداده (جيله) يلهون بتفحيط السيارات فإن أحمد لايلهو إلآ بمدفعه ورشاشه0 لئن كان الشباب يقضون إجازاتهم في عواصم الدول الكبرى في خضم بحر الجاهلية الآسن غارقين في وحل الجنس وسعار الشهوات, فان أحمد كان يقضي حياته على الثغور على قمم الجبال يستروح أريج الآفاق العليا ويبحث عن الموت مظانه0 أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ولئن كان الشاب في طيش الشباب لا ينام إلا على إلالحان الراقصة والموسيقى الصاخبة والصور المتحركة في الأفلام الماجنة, فقد أبت عين أحمد إلأ أن تسهر في سبيل الله تحمي أعراض المسلمين ولايقطع آناء الليل إلا بتسبيح أو تهجد أو استغفار0 وإن كان الناس يبحثون عن المجد بالتزلف إلى أهل الدنيا وبالتردد على أعتابهم, فإن أحمد وجد أن المجد بأن يدوس على الدنيا بأسرها, فقد صغرت في عينه ولم يبق لها في قلبه أي تعلق, لقد علم الحديث الشريف جيدا : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس 0 وختاما ففي القلب حاجات كثيرة وفي النفس كلام كثير00 وفي الفؤاد آهات وحسرات نريد أن نبثها لكم وحسبنا هذه العجالة قائلين: أن القتل في سبيل الله أتمناه لا بنائي جميعا فنرجوا الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله, فهنيئا لكم ابنكم في الدنيا عزا وثناء ووفي الآخرة شفاعة ورفعة -بإذن الله تعالى- واختم رسالتي بحديث رسول الله ص في الشهيد: للشهيد عند ربه ست -أو سبع خصال- يفغر له مع أول دفعه من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويلبس تاج الوقار الياقوته فيه خير من الدنيا وما فيها, ويزوج باثنيتن وسبعين من الحور العين ويشفع بسبعين من أهل بيته حديث صحيح0 وإن شاء الله على هذا الطريق لسائرون ونرجو الله حسن الخاتمة0 أخوكم/ عبد الله عزام الثلاثاء (32) شعبان (7041 ه-) الموافق (12) ابريل (7891م) من والد الشهيد أحمد الزهراني إلى الدكتور عبدالله عزام: بسم الله الرحمن الرحيم إلى أخي في الله الشيخ المجاهد عبدالله عزام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلتني كلماتك الطيبة التي نعيت الي فيها ابني (أحمد) رحمة الله00 وهنأتني في استشهاده فالحمد لله وإنا لله اليه راجعون0 وجزاك الله عني وعن المسلمين خيرا وبارك في جهودك الطيبة التي تسعى فيها إلي انتشال الأمة من وهدتها وإيقاظها من رقدتها0 أخي في الله00 أنا ضابط قديم شاركت في حرب اليهود منذ (84) ومع ما كان في بعض تلك الحروب من أمثلة بطولة لكنها لاتعدوان تكون حالات فردية قليلة أما هذا الجهاد المبارك فإنه بالنسبة إلى تلك الحروب جملة كالعملة الصحيحة والمزيفة فالهدف هنا واضح والراية واضحة ولا احتاج هنا إلى مزيد تفصيل فلعلك عايشت في بعض فترات حياتك بعض تلك الحروب0 قدر الله عزوجل أن يكون هذا الجهاد كالغيث الطيب في زمن أسنت فيه المشارب فتلقفته آفئدة آمنت بالله ورضيت به سبحانه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ص نبيا , وبالجهاد طريقا وبالقرآن منهاج حياة, فهنيئا لكل من وفق للجهاد في سبيل الله فإنها والله التجارة الرابحة وهي عز الدنيا وكرامة الآخرة وهي التخفف من جذب الطين وثقلة اللحم وهي الطمأنينة والثقة وذروة سنام الإسلام, قال تعالى (إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين) فأوصيك يا أخي ونفسي بتقوى الله والسلام عليك0 عبدالله بن يحيى الزهراني وصية إلى أولياء الشهداء يا أم الشهيد000 لا تجزعي بل افخري بابنك بطلا شهيدا , وفارسا فريدا , ونرجو الله أن يتقبل شهادته فيكون لأهله شفيعا يوم القيامة0 ولا تجزعي فأمثال ابنك مفخرة للأجيال ونبراس للفتيان0 لا تقتلي النفس إذ حانت منيته في طاعة الله يوم الروع والباس وأما شقيقاته فلهن أن يرفعن رؤوسهن اعتزازا ورفعة ولا تسكبن عبرات الواله الفاقد بل أفرحن فرح الحبور الوافد الواجد0 أما الوالد الكريم, فهنيئا لكم هذا الليث الهصور الكاسر الذي نكل بأعداء الله, وعرفنا بكم وبالعائلة جمعاء من خلال جهاده, وابنك من هؤلاء الذين يطلبون الموت مظانه0 فج يكاد صهيل الخيل يقذفه عن سرجه فرحا بالغزو أو طربا فافخر ولا تجزع وافرح ولا تحزن, وابعث إخوانه ليسلكوا جادة العزة وجدية الفخار, ولولا أنهم خير منا لما اختارهم الله قبلنا وتركنا نتجرع حسرتنا ولا ندري ما خاتمتنا, فاللهم أحينا سعداء وأمتنا شهداء واحشرنا في زمرة المصطفى ص0
ضيوف الرحمن في يوم الجائزة

وصلنا (جاجي) في مساء الثلاثين من رمضان استمات العدو في محاولة الإستيلاء على المركز وكلما اقتربوا إصلاهم الشباب بوابل قذائفهم ونيران مدافعهم حاولت الدبابات أن تدفع مع شاحنات الغذاء والسلاح للوصول إلى المراكز الشيوعية ولكن راجمات الصواريخ التي بيد المجاهدين اضطرتها للتقهقر والفرار0 وحاول أعداء الله مرة اخرى ان يوزعوا مجموعات من الصاعقة (الكوماندوز) ووضعت مجموعات منهم على التلال المقابله للمركز الجديد (المأسدة) ولكن قذائف (آر, بي, جي, 7) حصدت منهم مجموعات بالإضافة إلى قذائف مدافع (28) ملم, و (57) ملم التي لا تدعهم يلتقطون أنفاسهم لحظة, وكانت طائرات الهليوكبتر تحوم لتلتقط جثث أهل النار, وهؤلاء كما يشاهدهم الإخوة من خلال التلسكوب كلهم من الروس ذوي الوجوه الحمر المائلة إلى الزرقة وذوي العيون الزرقاء الضيقة.
أمر قائد المأسدة الشباب بالإنسحاب فقال سيف الله (قائد مجموعة مضاد الطائرات): لن يتقدموا إلا على جثثنا ولن ننسحب فصاح به القائد: أنا برئ منك أمام الله يوم القيامة إن عصيت أمري, فقال سيف الله: وقد رأيته في الليل -ليلة العيد- ما انسحب الا طاعة للأمر.
ولكن المجموعات من الإخوة عادت في الليل لتحافظ على المركز, وصلينا الفجر وتحرك سيف الله مع مجموعته بعد صلاة الفجر, وكان معه علي وحسين: المتحابين اللذين لايفترقان.
وبعد طلوع الشمس كنت مستريحا في فراشي وبجانبي الشيخ تميم العدناني فسمعنا هدير الطائرات وأصوات المدافع المضادة تدوي من كل مكان فصاحوا بنا: انهضوا واخرجوا من هذه الغرفة لأنها لا تحتمل القذائف فقلت للشيخ تميم قم وأسرع, فقال الشيخ تميم: شهادة في يوم العيد يا شيخ, فقلت انهض, وخرجنا من باب الغرفة لنرى القذائف التي القتها الطائرات وسرعان ما غطى الجو بسحاب أسود فقال الشيخ سياف: (يحتمل أن تكون القذائف من الغازات السامة) وبدأ السحاب الأسود الذي عقب الأنفجار يسير:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبهجلسنا حول اللاسلكي نترقب أخبار المعركة دقيقة دقيقة, جاء أبو الحسن المقدسي وقال: استشهد ثلاثة من العرب, وانتظر تأكيد الخبرمن ابي محمود الذي يرسل على اللاسكلي من عقر المركز الجديد (المأسدة) فقال: لقد أسلم ثلاثة من العرب أرواحهم إلى خالقهم وهم:
الشهداء الثلاثة علي وحسين ونور الحق

كانوا مع الشهادة على قدر, لقد رأيت عليا جادا في البحث عن الشهادة كان يقول لعل الله يرزقنا الشهادة, وقلما كان يفارق أرض المعركة:
مقيم مع الهيجاء في كل منزل كأنك من كل الصوارم في أهل
وحسين منذ عام مع على لايفترقان, كأنه ظل له, لا تفتقد حسينا إلا مع على وحسين من مواليد سنة (0791م) شاب صغير صامت مؤدب صوته ندي بالقرآن أوتي مزمارا من مزامير داود.
ولا أذكر أني رأيت عليهما ثوبا نظيفا لأن الطين والمازوت وزيت السلاح يرسم على ملابسهما نقوشا كأنما هي خارطة لبقاع مختلفة من الأرض:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول
فلم تعد الشدائد ولا الكروب, ولا البرد وزمهريره ولا السهر وشدة وطأة الجوع وآلامه, ولا العطش وشدته لم تعد هذه شيئا في أنظارهم:
أقل بلاء بالرزايا من القنا وأقدم بين الجفلين من النبل
واستشهد علي وحسين ودفنا في خندق واحد.هي المسيرة تدور دورتها وتقفز إلى الذهن قصة عبد الله بن حرام -والد جابر- وعمرو بن الجموح اللذين استشهدا في أحد فأمر رسول الله ص بدفنهما معا : (ادفنوا المتحابين في قبر واحد)0
وهكذا كانت مسيرة واحدة أدت بهما إلى جدث واحد يبعثان منه (إذا بعثر ما في القبور) وصدق الله كلمات علي: نريد أن نعي د وعيد علي في ضيافة الرحمن.
أما نور الحق المغربي فقد كانت هجرته خالصة إلى الله -كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - لا رجعة فيها جاء أول مرة برا عن طريق الدول الأوروبية حتى إذا وصل إلى حدود سوريا ردته الطائفة النصيرية ومنعته من اجتياز الحدود, ثم جاء إلى الحج وبعد أن قضى منا سكه في أم القرى يمم شطر أفغانستان وهنا في بيشاور يجد الشيخ سياف قد أنشا مدرسة لتعليم أبناء الأفغان سماها حراء فنذر نفسه لتربية أبناء الأفغان على لغة القرآن وكان يقوم بتدريب أبناء المدرسة على ألعاب الكارتية وعندما علم بنشوب في جاجي توجه نحو الجبهة المعركة وكان اللقاء مع الشهادة فزادت اشراقة وجهه نورا , وكان يقول: لا رجعة إلى بلادنا00
وتتابعت الأخبار والمجاهدون ملتفون حول جهاز الإتصال, أبو سلمان يمسك الجهاز والشباب يلقون السمع ويشنفونه بكل كلمة تخرج عبر اللاسلكي الشيخ سياف يرد على الجهاز, المعركة شديدة, القصف متواصل, رجال الصاعقة الروس يريدون اقتحام المركز الجديد (المأسدة) والشباب مستميتون بالدفاع عنه, راجمة الصواريخ تمطر الشباب بوابل القذائف0
صاعقة على رجال الصاعقة:
من المعلوم أن روسيا قد أعدت خمس كتائب من رجال الصاعقة (الكوماندوز) ودربتها طويلا وهذه الكتائب قد هيئت للأنقضاض على قواعد المجاهدين, ودفعت بمجموعة كبيرة منها لدخول المركز, أجسامهم كبيرة, وهؤلاء من اللقطاء تهيئهم روسيا لإبادة المجموعة الخطيره المعادية لها, وتباهي بهم روسيا كما تباهي أمريكا برجال المارينز, وفقد واحد منهم يعتبر خسارة كبيرة لروسيا, لقد ضربت الطائرات المركز ثم نشطت المدفعية وراجمات الصواريخ ثم تقدمت مجموعة من هؤلاء وصاروا على بعد سبعين مترا من المركز, ودارت المعركة مواجهة مع هؤلاء, المعركة غير متكافئة أبدا سواء في الإعداد أو الأعداد أو الوسائل أو الأسلحة0
وضرب مختار برشاشه (الدكتريوف) وأفرغ مخزنه مائة طلقة فأصاب ستة منهم دفعة واحدة فارداهم قتلى, وضرب خضر أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) فأحالت الكافر إلى قطع متناثرة0
وهنا كانت المفاجأة التي لا يتصورها الخيال التفاف من قائد مجموعة من الشباب المهاجر المجاهد على الكوماندوز, اذ تقدمت مجموعة عكرمة -التي تذكر بعكرمة رضي الله عنه يوم اليرموك- من يبايع على الموت, كان في المقدمة منصور, وأبو الفضل, وعبدالله, ودارت المعركة بالقنابل اليدوية للتطهير قال لي أحد الأخوة: لقد ألقيت قنبلة أمامي وإذا بروسي يحني ظهره ليتلقي بوجهه شظايا القنبلة وبيني وبينه شجرة فقط فعلوته بالرشاش فتردى هالكا لا حراك فيه جسمه كالبغل: جسم البغال وأحلام العصافير.
شباب متعطش للموت, يبحث عن الشهادة وإلا فكيف الهجوم على الكوماندوز وكل واحد منهم تلقى أعلى مستويات التدريب, ولكن الإيمان يصنع المعجزات والروح أقوى بكثير من الأجساد.
وانتهت هذه المقابلة السريعة بين الشباب والكوماندوز بالإجهاز على كثير من الكفار وفر الباقون يحدثون لقومهم مغبة مقابلة أبناء الأيمان وضراغم الإسلام, وعاد كل شاب من هؤلاء بعد أن خوض في دماء أولئك0
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم

منصور الشهيد

يقول لي أحد هؤلاء الشباب: رأيت منصورا وقد سقط شهيدا أثناء الإشتباك ورأيت أحد العمالقة الروس أخذ يقلب جثة منصور يتفحصها.
منصور الشهيد (أبو دجانة الثاني) عشت معه أربعة أشهر, فأحببته, قلت له من اللحظة الأولى التي أبصرته بها: أنت تشبه أخانا أبا دجانة, فقال أين نحن من أبي دجانة? وكما هو معروف أن أبا دجانة قد استشهد في معركة نهرين هذا العام, فارع الطول, ذو جسم رياضي, رجولة مع كرم, شجاعة مع حياء والرجولة عادة مقترنة بالحياء والكرم وفي الصحيح: (الحياء والإيمان مقترنان فإذا رفع احدهما رفع الآخر)0
هو الشجاع يعد البخل من جبن وهو الجواد يعد الجبن من بخل
وفي منصور كثير من صفات أخينا أبي دجانة فإذا أضفت إلى هذا أن كليهما حافظ للقرآن عجبت لتوافق كثير من صفات المظهر والمخبر لكليهما0
كان منصور قليل الكلام, حييا ومع هذا كان اذا رأى عبد الرحيم في معسكر (صدا) يقول لي: ادع الله لي أن يرزقني أدب هؤلاء0
كان متقنا بارعا للسلاح, أقام في جبهة الشيخ جلال الدين حقاني ثلاثة أشهر فأحبه المجاهدون وجعلوه إماما , وكان منصور متتبعا للسنن يحاول أن يلتزم الآثار ويكره الإبتداع ويحارب الخرافات فكان إذا سمع قصة عرضها على ما يعرف من قصص السلف فان وافقت قبلها وان خالفت رفضها, وكان يسره أن نصلي التروايح ثماني ركعات وكان المحيا ذو ذكاء لماح, يحفظ الآثار, فإذا كتبت لهم الحديث او الدعاء يكون أول من يحفظ.
وولد هذا الشاب الذي يناهز السابعة والعشرين من عمره في المنيا في صعيد مصر وقد رضع رجولة أهل الصعيد وشدتهم منذ حداثة سنه وعاش فترة ليس بالقليلة في القاهرة ودرس في كلية الآداب في القاهرة وتخرج فيها من قسم اللغة العربية.
كان لايراني إلا وعلت وجهه ابتسامه مشرقة مع أغضاء الطرف حياء وأدبا اشترك في المعركة الأولى في (91) شعبان في المأسدة وكان في فرقة الإقتحام ونجاه الله لأن منيته تنتظره حتى يكمل رمضان فتضرع إلى الله أن يكون من عتقاء شهر رمضان وفي يوم عيد الفطر يوم (الجائزة) نال منصور جائزته وفي موقف بعد أن خوض في لبة الصنديد (حلقوم البطل).
ومضى منصور إلى ربه وترك في أعماقنا حسرة ونشوة, حسرة بفقده ونشوة بفوزه بالشهادة -كما نظن ولا نزكي على الله أحدا - فهنيئا لك يا منصور ونأمل أن تلتقي بأبي دجانة في عليين0
شهيدنا الخامس في يوم عيد الفطر الرجل الصامت

(أبو الفضل)

صامت لو تكلما لفظ النار والدما
قل لمن عاب صمته خلق الحزم أبكما
أخو الحزم لم تزل يده تسبق الفما
ولكثرة صمته يحسبه الجاهل عييا, كان لا يتكلم إلا إذا سمع رأيا يحسبه يخالف حديثا صحيحا قال: إلا يخالف هذا الحديث الصحيح, كان دائب العمل, يوصل ليله بنهاره لا يهدأ ولا يقر إلا إذا ظن أن أمور مجموعته التي أمر عليها على خير ما يرام.
كنت لا تراه إلاحاملا قلمه ينتظر أمر قائد المخيم لتسجيل ما يلقى إليه من توجيهات.
ذو وجه مشرق ولحية طويلة خفيفة مؤدب يجلس في المجلس مستمعا فإذا سمع شيئا من اللغو قام وغادر المجلس, يحفظ من القرآن ولا أعلم أن كان يحفظ القرآن كاملا أم لا.
كان يعد نفسه للدخول في أعماق أفغانستان منذ فترة ولكن أحداث جاجي منذ (91) شعبان حتى الآن أخرت رحلته وشارك في العشر الأواخر من رمضان في المعركة وفي اليوم الثلاثين من رمضان جاءه الأمر بالإنسحاب من موقعه فاستأذن القائد أن يبقى في مكانه إن كلن ممكنا , وفي يوم الفطر نال الجائزة ودفنه الأخوة مجاورا لأخيه منصور.
بضرغامهم صامت اللسان كغيره ولكن في أعطافة منطق الفضل.

وفقيدنا السادس
عبد الله المصري
عرفته لأول مرة في مكتب الخدمات هو وهارون صاحبه الذي رافقه مسيرة الطريق ودخل معه الجبهة في قندهار وكان يزمع العودة من حيث أتى ولقد بششت في وجهه, وشكا إلى بعض المتاعب التي لاقوها فسريت عن أنفسهم وروحت عنهم.
وواصل المسيرة, ثم جاء إلى صدا وتمكن من كثير من الأسلحة التي يستعملها الكفار ليواجههم بسلاحهم, وتوجه الى جاجي للرباط ثم رجع إلى خوست ثم إلى صدا ثم إلى جاجي وحيثما سمع باشتداد أوار الحرب ووطيس المعركة طار شوقا إليها ولسان حاله يردد:
ولقد ذخرت لكل أرض ساعة تستعجل الضرغام عن أشباله
لقد اتخذ أخيرا قراره النهائي الذي لا رجعة فيه وهو الموت في سبيل الله أو ينصره الله فإنما هي أحدى الحسنيين.
سمح الوجه, قليل الكلام, يبحث عما ينفعه في دينه ودنياه, إن تكلم فبقدر وأدب, كثيرا ما تراه يحمل في يده كتابا يلخص ويقرأ وهو يقول: (أريد أن أنقل فائدة إلى الجبهة).
وكان الوداع الأخير في المأسدة حيث قابل هؤلاء الكوماندوز ولا نعلم حتى الآن مصيره أضل في شعب من الشعاب !! أ م أسر بيد هؤلاء الذئاب الكلاب?! أم لقي الله مصون الجناب?.
فنرجو الله أن يكتب لنا وله الشهادة وأن يجمعنا وأياه في الصالحين.
لا أدري مكان هذه الملاحة (عامر).
[ملاحظة: (وصل نبأ استشهاده بعد ذلك].

التعطش للشهادة (أبو خالد الجزائري)

الشباب يبكون فرحا طمعا في لقاء الله شهداء, فما غادروا أوطانهم ولا تركوا الترف الذي بين أعطافه يتقلبون ولا طلقوا النعيم الذي فيه يترعرعون إلا حبا في الشهادة, وكثيرا ما يقول أحدهم: متى اللقاء مع الحور?اللاسكلي بيد أحد الشباب, لا تكاد النداءات تنقطع, المجاهدون ملتفون حول الجهاز الشيخ سياف واقف يرد على الأمور الهامه, ويوجه الأوامر والقادة العسكريون حوله. فيأمر هذا ويهمس في أذن هذا ويشير إلى ذاك ويطمئن المجاهدين, وتشكل السرايا, وتتحرك السيارات, الأعياء ظاهر على وجه الشيخ, ينام الناس ولا ينام آلام قرحة المعدة برحت به, لا وقت للراحة, ولا ساعة للخلود بالنفس, أعصاب الشباب مشدودة, قلوبهم تكاد تقفز من صدورهم, آذانهم تتشنف وهي تستمع الكلمات, لايكاد أحد هم يلتقط أنفاسة وهو يتابع الأخبار.
تقدم الكوماندوز, تصدى الأخوة الرابضين على جبل الرماة لهم, خرجت مجموعة من الدبابات من -شاوني (القلعة- قذائف المجاهدين تسقط على تجمع الدبابات, هربت بعضها متجهة إلى -ناراي- انتهت قذائف الهاون00 وهكذا دواليك لا يتوقف الجهاز عن البث والتلقي إلا في ساعة متأخزة من الليل, يقول الشيخ سياف: إن الله ذو القوة المتين وإلا فمن نحن? نحن بأربع سيارات نقابل حلف وارسو.
الجرحى: وانطلقت سيارات الإسعاف تنهب الأرض تريد أن تحقن بقية النجيع في أجساد هؤلاء الأخوة أبو خالد الجزائري أصابته شديدة والمسافة بعيدة وفي الطريق يسلم أبو خالد الروح ويصل أبو سهل الصغير مغمى عليه أصابت الرصاصة دماغه ولا زال فاقد وعيه في غرفة الإنعاش (استشهد أبو سهل بعد كتابة المقال رحمه الله).
لم أكن أصدق أن هذا الرجل جاء للجهاد عمره في العقد الخامس, جسده ناحل, لا يظهر عليه آثار العلم أو التربية الأسلامية العميقة, وما وما كنت أصدق أنه يستطيع مواصلة المسيرة على طريق الشوك المفروش بالدماء والأشلاء لأن كثيرا من الهالات قد سقطت على هذا الطريق اللاهب المضني.
إلا أن في الرجل وفاء وحياء ورجولة وإباء كان حليقا أول الأمرثم أطلق لحيته, إن تكلم تكلم معي يغض الطرف أدبا, كان لايطيق الثرثرة ولا اللغو, الجميع راض عنه, لسانه قصير لا يلغ في أعراض الناس, وفمه طاهر من أن يأكل لحوم المسلمين وكان لايعرف بالتعصب لأية جهة ولا ينتسب لحزب من الأحزاب, إنه مسلم عادي فطرته سليمة يحب المسلمين جميعا ولذا عندما خرجت روحه إلى بارئها عبقت رائحة المسك تضوع.

الشهيد أبو الوليد السعودي
لم يتكبد الروس في معركة من المعارك كما تكبدوه في هذه المعركة, فقد هرب ثلاثة من السائقين وانضموا إلى المجاهدين, قال أحدهم: لقد أخذ الروس شاحناتنا الثلاث ورأيت شاحنتي مليئة بجثث القتلى.
كنت أنام في غرفة غير محمية لاتستطيع أن تدفع عمن فيها قذيفة طائرة ولا صاروخ وقد اعتدنا كل يوم إن نستقبل قذائف الطائرات التي تبدأ وجبتها الأولى الساعة السادسة والثلث صباحا , وترجع لوجبتها الثانية الساعة التاسعة إلا أن المجاهدين تصدوا لها بالمضادات التي لا تزيد في أثرها من أن تبعد الطائرة عن الأرض أثناء القصف, وقد أسقط المجاهدون أكثر من طائرة بالصواريخ.
وفتح الجهاز في مساء يوم عيد الفطر فقال أبو عبد الله: نعزيكم بفقدنا أخينا أبي الوليد السعودي, فكان فقيدنا الثامن ابو الوليد السعودي.
شاب على الفطرة, ذو ثقافة بسيطة وعشق للجهاد لا يكاد يوصف, طوف أفغانستان من جنوبها إلى شمالها حيث ألقى عصا الترحال في بلخ (مزار شريف), ومكث هنالك عدة اشهر ثم عاد وزار أهله في المنطقة الشرقية ولم يطق المقام طويلا بين القاعدين لأنه يصعب على من تذوق حلاوة الجهاد أن يستسيغ العيش بين الخوالف (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف), إن النفوس الأبية ليعز عليها أن ترى أبناء دينها يذبحون وأن يبصروا لحوم العذارى تأكلها جنازير دبابات الروس وهم باردون لا تسمع لهم ركزا.
أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذن يطيب
أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب
وفي يوم الفطر يهجم حوالي خمسة وعشرون منهم فيتصدى لهم ثلاثة فقط أبو الوليد وياسين, وخضر, وأما ياسين فهو منطلق كالسهم لا يعرف للموت رهبة.
يستعذبون مناياهم كأنهم لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
وأما خضر فقد مزق أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) وما هي إلا لحظات وإذا بأبي الوليد تختطفه يد المنون وإذا به في العالم الآخر (وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابا مؤجلا ).
وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
كان أبو الوليد متشوقا للشهادة, وبعد أن بلغني نبأ شهادته فتحت رسالتين يكتبهما لأصحابه يقول فيها: (أخي ثامر: ولا ينقصنا سوى رؤياكم بيننا في أرض الجهاد إعلاء كلمة الله000 إن كان عيدكم في السنة مرتين فعيدنا والحمد لله كثير, وهذا عندما ننتصر على أعداء الله يعتبر عيدا وهذا بفضل الله تعالى).
وكان آخر الكلمات التي يخطها في الرسالة: هبي يا رياح الجنة هبي وربي000لبيك لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى.
فنبتهل إلى الله أن تكون أبا الوليد قد فزت بالشهادة ونلت الدرجات العلى.

الشهيد بشير المصري وسراقةواستمرت المعركة, والأحداث تتوالى والمجاهدين يواصلون جهادهم, يرابطون في الخط الأمامي والقذائف فوق رؤوسهم لا تكاد تهدأ, الجهاز مفتوح الأخبار لا تنقطع مجموعة تلتف حول الجهاز تريد أن تتابع أخبار المجاهدين أولا بأول.
وجاء البيان سقوط شهيدين آخرين: بشير وسراقة..
بشير المصري: على الفطرة التي فطر الله الناس عليها, لم تتلوث نفسيته, بسيط دون تعقيد, واضح دون غموض, يقول عن نفسه: كنت سلفيا ثم انتقلت إلى جماعة التبليغ وأخيرا جئت إلى الجهاد, فرد أحد الحاضرين على الفور: ما طفت هذا الطواف إلا لتوافي الشهادة.
وعاش بشير في مخيم صدا يعد نفسه ونفسيته لملاقاة الكماة ومنازلة الطغاة.
كان إذا ناقش أحد إخوانه كثيرا ما يقول صل على النبي, فصار إخوانه يرددون هذه الجملة كلما واجهوه أو نا قشوه, وكثيرا ما كانت تقوم بينه وبين عادل مداعبة رقيقة ومزاح لطيف مستساغ, وكان يتسع لإخوانه ويتجاوز عن هفواتهم, وكان يطلقون عليه: (ذو القلب الأبيض).
أنهى بشير أعداد نفسه وانتقل إلى أرض الرباط, وكان يعد نفسة لمرافقة إحدى القوافل التي تدخل أفغانستان, وداهمتنا أحداث الأيام الأخيرة من رمضان, واشترك بشير وكان على قدر في اليوم الثالث من شوال مع الشهادة.
فندعوا الله أن يجعله في الفائزين وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.
وأما سراقة (أحمد الحزامي) فهو من الشرقية-الدمام, شاب يدخل قلبك بلا استئذان, قليل الكلام, على وجهه إشراقة لا تفارقه, وعلى ثغره ابتسامة لا تغيب, تسأله فيجيبك بقدر, فان كررت عليه السؤال تريد الإستفصال لايزيد عن الأجابة الأولى فتضطر للسكوت لأن ابتسامته وأدبه تمتص كل غضب (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق), كان يحمل ساعة في جيبه يعلق خيطها في عنقه, فسألته عن سبب هذا فصرفني عن الإجابة المباشرة بقوله إنها رخيصة جدا .
ووافته المنية بعد أن تم رمضان وحدثني من رآه: أن ابتسامته ل